الغزالي

510

إحياء علوم الدين

الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه ، وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر ، إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه . ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثرى ، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره ، ولولا تثبيت الله عز وجل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادى تجليه حيث صار دكا ، ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة ، على حدّ فهم الخلق . ولهذا عبر بعض العارفين عنه فقال : إن كل حرف من كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف ، وإن الملائكة عليهم السلام لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يقلوه ما أطاقوه ، حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه فيقله بإذن الله عز وجل ورحمته لا بقوته وطاقته ، ولكن الله عز وجل طوقه ذلك واستعمله به ولقد تأنق بعض الحكماء في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان وتثبيته مع قصور رتبته ، وضرب له مثلا لم يقصر فيه ، وذلك أنه دعا بعض الملوك حكيم إلى شريعة الأنبياء عليهم السلام ، فسأله الملك عن أمور فأجاب بما لا يحتمله فهمه ، فقال الملك : أرأيت ما تأتي به الأنبياء إذا ادعت أنه ليس بكلام الناس وأنه كلام الله عز وجل فكيف يطيق الناس حمله ؟ فقال الحكيم : إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وادبارها ، ورأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه وتزيينه وبديع نظمه ، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائم ، وأوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهائم بأصوات يضعونها لائقة بهم من النقر والصفير والأصوات القريبة من أصواتها لكي يطيقوا حملها ، وكذلك الناس يعجزون عن حمل كلام الله عز وجل بكنهه وكمال صفاته ، فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت النقر والصفير الذي سمعت بالدواب من الناس ، ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك الصفات من أن شرف الكلام أي الأصوات لشرفها وعظم لتعظيمها ، فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا ، والحكمة للصوت نفسا وروحا فكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها ،