الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

51

مناهل العرفان في علوم القرآن

عجيب في النشر والدعوة والفتح فلو كانت هذه الترجمة العرفية من مواجب الإسلام لكان أسرع الخلق إليها رسول اللّه وأصحابه . ولو فعلوه لنقل وتواتر ، لأن مثله مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره . الشبهة الثانية ودفعها يقولون : إن كتبه صلى اللّه عليه وسلم إلى العظماء من غير العرب يدعوهم إلى الإسلام ، تستلزم إقراره على ترجمتها ؛ لأنها مشتملة على قرآن وهم أعجام ، ولأن الروايات الصحيحة ذكرت في صراحة أن هرقل وهو من هؤلاء المدعوين ، دعا ترجمانه فترجم له الكتاب النبوي وفيه قرآن . والجواب أن هذه الكتب النبوية لا تستلزم إقرار الرسول صلى اللّه عليه وسلم على تلك الترجمة العرفية الممنوعة . بل هي إذا استلزمت فإنما تستلزم الإقرار على نوع جائز من الترجمة وهو التفسير بغير العربية ، لأن التفسير بيان ولو من وجه وهو كاف في تفهم مضمون الرسائل المرسلة . على أن هذه الرسائل الكريمة لم تشتمل على القرآن كله ، ولا على آيات كاملة منه . بل كل ما فيها مقتبسات نادرة جدا ولا ريب أن المقتبسات من القرآن ليس لها حكم القرآن . وهاكم نماذج تتبينون منها مبلغ هذه الحقيقة : فكتابة صلى اللّه عليه وسلم الذي ارسله مع دحية بن خليفه الكلبي إلى هرقل ، هذا نصه : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد عبد اللّه ورسوله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى - اما بعد فأني أدعوك بدعاية الاسلام اسلم تسلم يؤتك اللّه اجرك مرتين . وان توليت فإنما عليك إثم الآريسيين ( اي الفلاحين ) ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا