الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

49

مناهل العرفان في علوم القرآن

رسوله ، وليتعبد بتلاوتها عباده . وكان سبحانه حكيما في هذا التخصيص والاختيار ، لمكان الفضل والامتياز في هذه الأساليب والألفاظ المختارة . ومن تفقه في أساليب اللغة العربية ، وعرف أن لخفة الألفاظ على الأسماع وحسن جرمها في النفوس مدخلا في فصاحة الكلام وبلاغته ، أيقن أن القرآن فذ الأفذاذ في بابه ، وعلم الأعلام في بيانه لأن ما فيه من الأساليب البلاغية والموسيقى اللفظية ، أمر فاق كل فوق ، وخرج عن كل طوق وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى . . بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً ، فأنى لمخلوق بعد هذا أن يحاكيه بترجمة مساوية أو مماثلة سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ . دفع الشبهات الواردة على منع هذه الترجمة الشبهة الأولى ودفعها : يقولون : إن تبليغ هداية القرآن إلى الأمم الأجنبية واجب ؛ لما هو معروف من أن الدعوة إلى الإسلام عامة لا تختص بجيل ولا بقبيل . وهذا التبليغ الواجب يتوقف على ترجمة القرآن لغير العرب بلغاتهم ، لأنهم لا يحذقون لغة العرب بينما القرآن عربى . وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب . ونجيب على هذه الشبهة ( أولا ) بأن هذا التبليغ لا يتوقف على ترجمة القرآن لهم تلك الترجمة العرفية ، الممنوعة بل يمكن أن يحصل بترجمته على المعنى اللغوي السالف وهو تفسيره بغير لغته على ما شرحناه آنفا . ويمكن أن يكون تبليغهم هداية القرآن وتعاليمه ، ومحاسن الإسلام ومزاياه . ودفع الشبهات التي تعترضهم في ذلك . إما بمحادثات شفهية ، وإما بمؤلفات على شكل ، وسائل تنشر ، أو مجلات تذاع ، أو كتب تطبع ، يختار الداعي من ذلك ما هو أنسب بحال المدعوين ، وما هو أيسر له وأنجح لدعوته فيهم . ( 4 - مناهل العرفان 2 )