الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
46
مناهل العرفان في علوم القرآن
والإنجيل . وضياع الأصل العربي نكبة كبرى تغرى النفوس على ملاعب بدين اللّه تبديلا وتغييرا ، ما دام شاهد الحق قد ضاع ، ونور اللّه قد انطفأ ، والمهيمن على هذه الترجمات قد زال ( لا قدر اللّه ) ولا ريب أن كل ما يعرض الدين للتغيير والتبديل ، وكل ما يعرض القرآن للاهمال والضياع ، حرام باجماع المسلمين . ( لوجه الخامس ) أننا إذا فتحنا باب هذه الترجمات الضالة ، تزاحم الناس عليها بالمناكب ، وعملت كل أمة وكل طائفة على أن تترجم القرآن في زعمها بلغتها الرسمية والعامية ، ونجم عن ذلك ترجمات كثيرات لا عداد لها ، وهي بلا شك مختلفة فيما بينها ، فينشأ عن ذلك الاختلاف في الترجمات ، خلاف حتمي بين المسلمين ، أشبه باختلاف اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل . وهذا الخلاف يصدع بناء المسلمين ويفرق شملهم ، ويهيئ لأعدائهم فرصة للنيل منهم ، ويوقظ بينهم فتنة عمياء كقطع الليل المظلم ، فيقول هؤلاء لأولئك : قرآننا خير من قرآنكم ، وبرد أولئك على هؤلاء تارة بسب اللسان ، وأخرى بحد الحسام ، ويخرون ضحايا هذه الترجمات ، بعد أن كانوا بالأمس إخوانا يوحد بينهم القرآن ، ويؤلف بينهم الإسلام . وهذه الفتنة - لا أذن بها اللّه - أشبه بل هي أشد من الفتنة التي أوجس خيفة منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان . وأمر بسببها أن تحرق جميع المصاحف الفردية ، وأن يجتمع المسلمون على تلك المصاحف العثمانية الاجماعية . ( الوجه السادس ) أن قيام هذه الترجمات الأئمة يذهب بمقوم كبير من مقومات وجود المسلمين الاجتماعي ، كأمة عزيزة الجناب قوية السناد ذلك أنهم سيقنعون غدا بهذه الترجمات كما قلنا . ومتى قنعوا بها فسيستغنون لا محالة عن لغة الأصل وعلومها وآدابها . وأنت تعلم والتاريخ يشهد ، أنها رباط من أقوى الروابط فيما بينها وكان لهذا الرباط أثره الفعال العظيم في تدعيم وحدة الأمة وبنائها ، حين كانوا يقرءون القرآن نفسه ، ويدرسون من أجله علوم لغته العربية وآدابها ، تذرعا إلى حسن أدائه وفهمه ، حتى خدموا هذه العلوم ونبغوا فيها ، ولمع في سمائها رجال من الأعجام بزوا كثيرا من أعلام