الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

42

مناهل العرفان في علوم القرآن

التشابه والتماثل إذا كانا ممكنين . نظرا إلى أن الخصائص البلاغية واحدة فيما به التحدي وما به المعارضة . أما إذا اختلفت لغة التحدي ولغة المعارضة فهيهات أن يتحقق التشابه والتماثل بدقة ، لأن الخصائص البلاغية في أحد اللسانين غير الخصائص البلاغية في اللسان الآخر . ويوجد منها في أحدهما ما لا يوجد في الآخر . فيتعين التفاضل ويتعذر التماثل قطعا . ولهذا يصرح كثير من المتمكنين في اللغات بأن ترجمة النصوص الأدبية في أية لغة ترجمة دقيقة أمر مستحيل . وأن ما يتداوله الناس مما يزعمونه ترجمات لبعض كتب أدبية فهو مبنى على ضرب من التسامح في نقل معاني الأصل وأغراضه بالتقريب لا بالتحقيق . وذلك غير الترجمات الدقيقة لمثل العلوم والقوانين والوثائق المنضبطة ، فإنها ترجمات حقيقية ، مبنية على نقل معاني الأصل وأغراضه كلها بالتحقيق لا بالتقريب . ولكي نوضح لك معنى المثلية المستحيلة في ترجمة القرآن بهذا المعنى ، يرشدك إلى أن هذه الترجمة لا تتحقق إلا بأمور بعضها مستحيل وبعضها ممكن . ذلك أنه لا بد فيها - على ضوء ما تقدم - من أن تكون وافية بجميع . معاني القرآن الأصلية والتابعة على وجه مطمئن وأن تكون وافية كذلك بجميع مقاصده الثلاثة الرئيسية ، وتلك أمور مستحيلة التحقق كما سبق بيانه . ثم لا بد فيها أيضا من أن تكون صيغتها صيغة استقلالية ، خالية من الاستطراد والتزيد ، وتلك أمور ممكنة الوقوع في ذاتها ، لكنها إذا أضيفت إلى سابقتها كان المجموع مستحيلا ، لأن المؤلف من الممكن والمستحيل مستحيل . فإذا أريد بعد ذلك أن تكون ترجمة القرآن هذه حرفية ، وجب أن يعتبر فيها أمران زائدان : وجود مفردات في لغة الترجمة مساوية لمفردات القرآن ، ووجود ضمائر وروابط في لغة الترجمة مساوية لروابط القرآن ، حتى يمكن أن يحل كل مفرد من الترجمة محل نظيره من الأصل ، كما هو المشروط في الترجمة الحرفية . وهذا - لعمر اللّه - مما يزيد التعذر استفحالا والاستحالة إيغالا ، ومما يجعل هذه الترجمة - لو وجدت - مثلا للقرآن يا له من مثل ، وشبيها لا يطاوله شبيه ، ومعارضا لا يغالبه معارض ! ! . وقد عرفت دليل