الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

312

مناهل العرفان في علوم القرآن

( وأما الفرض الثاني ) فينقضه الواقع التاريخي أيضا . ودليلنا على هذا ما تواترت به الأنباء ، من أن بواعث العرب إلى المعارضة قد وجدت سبيلها إلى نفوسهم ، ونالت منالها من عزائمهم . فهبوا هبة رجل واحد يحاولون القضاء على دعوة القرآن بمختلف الوسائل ؛ فلم يتركوا طريقا إلا سلكوه ، ولم يدعوا بابا إلا دخلوه . لقد آذوه صلى اللّه عليه وسلم وآذوا أصحابه ، فسبوا من سبوا ، وعذبوا من عذبوا ، وقتلوا من قتلوا . ولقد طلبوا إلى عمه أبى طالب أن يكفه ، وإلا نازلوه وإياه . ولقد قاطعوه وقاطعوا أسرته الكريمة لا يبيعون لهم ولا يبتاعون ولا يتزوجون منهم ولا يزوجون ، واشتد الأمر حتى أكلت الأسرة الكريمة ورق الشجر . ولقد فاوضوه أثناء هذه المقاطعة التي تلين الحديد مفاوضات عدة وعرضوا عليه عروضا سخية مغرية ، منها أن يعطوه حتى يكون أكثرهم مالا ، وأن يعقدوا له لواء الزعامة فلا يقطعوا أمرا دونه ، وأن يتوجوه ملكا عليهم إن كان يريد ملكا ، وأن يلتمسوا له الطلب إن كان به مس من الجن . كل ذلك في نظير أن يترك هذا الذي جاء به . ولما أبى عليهم ذلك عرضوا عليه أن يهادنهم ويداهنهم ، فيعبد آلهتهم سنة ويعبدون إلهه سنة . فأبى أيضا ونزل قول اللّه . قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ونزلت كذلك سورة الكافرون . ولقد صادروه وصادروا أصحابه في عبادتهم ، وانبعث شقى منهم فوضع النجاسة على ظهره صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلى . وخنقه طاغية من طواغيتهم لولا أن جاء أبو بكر فدفعه وقال : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ؟ ولقد اتهموه صلى اللّه عليه وسلم مرة بالسحر ، وأخرى بالشعر ، وثالثة بالجنون ، ورابعة بالكهانة . وكانوا يتعقبونه وهو يعرض نفسه على قبائل العرب أيام الموسم ، فيبهتونه ويكذبونه أمام من لا يعرفونه . ولقد شدوا وطأتهم على أتباعه حتى اضطروهم أن يهاجروا من وطنهم ، ويتركوا أهلهم وأولادهم وأموالهم فرارا إلى اللّه بدينهم .