الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
305
مناهل العرفان في علوم القرآن
في المدينة ، هما مصعب بن عمير وعبد اللّه بن أم مكتوم رضى اللّه عنهما ، وقد نجح هذان في مهمتهما أكبر نجاح ، وأحدثا في المدينة ثورة فكرية أو حركة تبشيرية جزع لها سعد بن معاذ سيد قبيلة الأوس ، حتى قال لابن أخيه أسيد بن حضير ألا تذهب إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يسفهان ضعفاءنا فتزجرهما . فلما انتهى إليهما أسيد قال لهما : ما جاء بكما تسفهان ضعفاءنا ؟ ثم هددهما وقال ، اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة . رضى اللّه عن مصعب فقد تغاضى عن هذا التهديد وقال لأسيد في وقار المؤمن وثباته : أو تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره . ثم قرأ مصعب القرآن وأسيد يسمع ، فما قام من مجلسه حتى أسلم ، ثم كر راجعا إلى سعد فقال له . واللّه ما رأيت بالرجلين بأسا . فغضب سعد وذهب هو نفسه ثائرا مهتاجا ، فاستقبله مصعب بما استقبل به أسيدا وانتهى الأمر بإسلامه أيضا ، ثم كر راجعا فجمع قبيلته وقال لهم : ما تعدوننى فيكم ؟ قالوا . سيدنا وابن سيدنا . فقال سعد : كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تسلموا . فأسلموا أجمعين ! . تأثير القرآن في نفوس أوليائه : تلك مظاهر لفعل القرآن بنفوس شانئيه ، فهل تدرى ما ذا فعل بهم بعد أن دانوا له وآمنوا به وأصبحوا من تابعيه ومحبيه ؟ لعلك لم تنس ما فعل القرآن بعمر وسعد وأسيد الذين نوهنا بهم بين يديك . ألم يعودوا من خيرة جنود الإسلام ودعاته من يوم أسلموا ، بل من ساعة أسلموا ؟ وهناك مظاهر أربعة لهذا الضرب أيضا . ( المظهر الأول ) تنافسهم في حفظه وقراءته في الصلاة وفي غير الصلاة ، حتى لقد طاب لهم أن يهجروا لذيذ منامهم من أجل تهجدهم به في الأسحار ، ومناجاتهم العزيز الغفار . وما كان هذا حالا نادرا فيهم ، بل ورد أن المار على بيوت الصحابة بالليل كان يسمع لها دويا كدوى النحل بالقرآن ! . وكان التفاضل بينهم بمقدار ما يحفظ أحدهم من القرآن ! . وكانت ( 20 - مناهل العرفان - 2 )