الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

299

مناهل العرفان في علوم القرآن

الوجه الثالث عشر الآيات التي تجرد الرسول من نسبته إليه وذلك أنك تقرأ القرآن فتجد فيه آيات كثيرة ، تجرد الرسول محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يكون له فيها حرف أو كلمة ، وتصفه بأنه كان قبل نزول القرآن لا يدرى ما الكتاب ولا الإيمان ، وتمتن عليه بأن اللّه آتاه الكتاب والحكمة بعد أن كان بعيدا عنهما وغير مستبعد لهما ولم يكن عنده رجاء من قبل لأن يكون منهل هذا الفيض ولا مشرق ذلك النور . اقرأ قوله سبحانه في سورة النساء : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ . وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً . وقوله في ختام سورة الشورى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ : وقوله في سورة القصص : وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ . بل كان صلّى اللّه عليه وسلّم يخاف انقطاع هذا المدد الفياض عنه ، فإذا فتر الوحي عراه من الحزن على فترته والتلهف على عودته ، ما يجعله يمشى في الشعاب والجبال كأنه يتلمسه ، حتى لقد كاد يتردى مرة من شاهق وهو يطلبه ! . وأكثر من هذا أنه كان يخشى أن يتفلت منه شئ أثناء إيحائه إليه لولا أن طمأنه اللّه عليه ( كما تقدم شرحه في الوجه العاشر ) وأكثر من هذا وذاك أنه كان يخاف أن ينزع اللّه من قلبه ما أنزل عليه وحفظه إياه ، وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ؛ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً . قل لي - وربك - هل يتصور منصف على وجه الأرض أن القرآن كلام محمد ؛ بعد ما قصصنا عليك من هذه الآيات التي تجرده من إنشائه ووضعه ، بل تجرده من رجاء نزوله عليه قبل مبعثه ، ومن رجاء بقائه لديه بعد نزوله عليه ؟ وهل يصح في الأذهان أن أحدا