الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
290
مناهل العرفان في علوم القرآن
والاستحسان . بل إذا تواردا على النفس فإنما يردان متعاقبين في زمنين . وإذا تعاقبا فاللاحق منهما يمحو السابق . وإذا محاه لم يبق معنى لإثباته وتسجيله ، بل من الطبعي تركه والإضراب عنه ، خصوصا إذا كان هذا الخاطر الأول إعلانا لتخطئة المتكلم ونقده ولومه ، كقبول الفداء في هذا المقام وأكله . فلا جرم أن هذه الظاهرة تأبى هي الأخرى إلا أن تكون دليل إعجاز ، وبرهان صدق على أن هنا نفسيتين مختلفتين : نفسية لا يشغلها شأن عن شأن ، ولا تتأثر ببواعث الغضب والرضا كما يتأثر الإنسان . ونفسية أخرى نسبتها إلى الأخرى نسبة المأمور من آمره ، والمسود من سيده ، لكن مع الحب والقرب . فهذه الآيات الكريمة ليست إلا كلام سيد عزيز يقول لعبده الحبيب : أخطأت فيما مضى وما كان لك أن تفعل ، ولكني عفوت وغفرت وأذنت لك بمثله في المستقبل ! . ( المثال الثالث ) قوله عز وجل : عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان مشتغلا ذات يوم بدعوة أشراف من قريش إلى الإسلام ، وإذا عبد اللّه بن أم مكتوم يجيء ويسأل الرسول عليه الصلاة والسلام . وكان عبد اللّه رجلا أعمى تشرف بهداية الإسلام من قبل ، ولم يقدر تشاغله صلّى اللّه عليه وسلّم بدعاية هؤلاء الصناديد الذين كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حريصا على هدايتهم كل الحرص ، وكان يستميلهم ويتألفهم إليه طمعا في أن يسلموا ، فلا يلبث جماهير العرب أن تقتدى بهم في إسلامهم . وفي أي شئ جاء هذا الصحابي يسأل ؟ إنه مسلم ، فطبيعى أنه لم يسأله عن الإسلام بل جاء يستزيده من الهداية والعلم ويقول : « يا رسول اللّه علمني مما علمك اللّه » . وجد الرسول نفسه بين قوم غلاظ مشركين يدعوهم إلى الإسلام ، ورجل وديع مسلم يستزيده من العلم فآثر الإقبال على أولئك الصناديد . وعبس في وجه ابن أم مكتوم هذا وأعرض عنه ، لا احتقارا له وغضا من شأنه ، ولكن حرصا على هداية هؤلاء وخوفا