الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
287
مناهل العرفان في علوم القرآن
إنما العار الجارح لكرامة البشر ، أن يجمد الإنسان فلا يجتهد وهو أهل للاجتهاد ، أو يجمد المجتهد على رأيه وإن كان عظيما بعد أن يستعلن له خطؤه ، مع أن الرجوع إلى الحق فضيلة ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل . والكمال المطلق للّه وحده . وفي الحديث . « كل بني آدم خطاء . وخير الخطائين التوابون » . يضاف إلى ما ذكرنا من الحكم والأسرار في أخطاء الرسول الاجتهادية ، أمر آخر له قيمته وخطره ، وهو إقامة أدلة مادية ناطقة على بشرية الرسول وعبوديته ، وأنه - وهو أفضل خلق اللّه - لم يخرج عن أن يكون عبدا من عبيد اللّه ، يصيبه من أعراض العبودية ما يصيب العباد ، ومن ذلك خطؤه في الاجتهاد ، وبذلك لا يضل المسلمون في إطرائه ، ولا يغلون في إجلاله ، كما ضل النصارى في ابن مريم ولقد نبه الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى ذلك فقال : « لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد اللّه ورسوله » رواه البخاري وقال : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم قال اللّه فلن أكذب على اللّه » رواه أحمد وابن ماجة . وقال صلى اللّه عليه وسلم « إنما أنا بشر . وإنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها » رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن . وخلاصة القول أن في هذا المقام أمورا ثلاثة : ( أولها ) أن خطأ الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن من جنس الأخطاء المعروفة التي يتردى فيها كثير من ذوى النفوس الوضيعة ، كمخالفة أمر من الأوامر الإلهية الصريحة ، أو ارتكاب فعل من الأفعال القبيحة . إنما كان خطؤه عليه الصلاة والسلام في أمور ليس لديه فيها نص صريح ، فأعمل نظره وأجال فكره وبذل وسعه ولكن على رغم ذلك كله خطأ .