الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
275
مناهل العرفان في علوم القرآن
كان في متناول قدرتهم وفي دائرة استطاعتهم ، ومع ذلك انصرفوا عنه . وعجزوا . فدل هذا التحدي مع الانصراف والعجز ، على أن القرآن كلام من يستطيع تصريف القلوب وتحريك الألسنة ، وهو اللّه وحده . أما محمد صلوات اللّه وسلامه عليه فمحال أن يقامر بنفسه وبدعوته ويتحدى بهذا الأمر الظاهرة سهولته ، وهو بشر لا يعلم الغيب ولا يستطيع أن يقلب القلوب ولا أن يعقد الألسنة . وبيان ذلك أن اليهود زعموا أنهم هم الشعب المختار من بين شعوب الخلق ، وادّعوا أن الدار الآخرة وقف عليهم وخالصة لهم من دون الناس ، فخاطب اللّه رسوله في سورة البقرة يرد عليهم ويتحداهم بقوله : قُلْ : إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * ثم قال : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ . وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، فأنت ترى هذا النظم الكريم يبطل مزاعم اليهود بطلب يبدو لكل ناظر أنه هين ، وهو أن يتمنوا الموت لو كانوا صادقين في ادعائهم أن نعيم الآخرة وقف عليهم . ولقد كان بمقدور اليهود في العادة أن يقولوا ولو بألسنتهم : نحن نتمنى الموت ، كي تنهض حجتهم على محمد ويسكتوه . لكنهم صرفوا فلم يقولوا ولم يستطع أحد أن يقول إني أتمنى الموت . وعلى ذلك قامت الحجة عليهم ، وبان كذبهم في كبريائهم وغرورهم . وبلغ من أمر القرآن معهم أنه نفى عنهم هذا التمني نفيا يشمل آباد المستقبل فقال : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً . وها قد مضى على نزول القرآن قريب من أربعة عشر قرنا ، وما تمنى أحد منهم الموت لو كانوا صادقين . بل أعلن القرآن في السورة نفسها مبلغ حرصهم على الحياة وأملهم فيها فقال : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ . وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ . وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ . فكان ذلك علما جديدا من أعلام النبوة ، لأنه تنويه بغيب حاضر ، لم يكن يعلمه محمد ولا قومه .