الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

267

مناهل العرفان في علوم القرآن

يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ولقد تحققت نبوءة القرآن هذه ، ولم يتمكن أحد من أعداء الإسلام أن يقتله عليه الصلاة والسلام ، مع كثرة عددهم ووفرة استعدادهم ومع أنهم كانوا يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرص للإيقاع به والقضاء عليه وعلى دعوته ؟ وهو أضعف منهم استعدادا وأقل جنودا . فمن الذي يملك هذا الوعد وتنفيذه إذن إلا اللّه الذي يغلب ولا يغلب ، والذي لا يقف شئ في سبيل تنفيذ مراده وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ؟ . وإن لم تصدقني فسل التاريخ والمؤرخين ، كم من الملوك والأمراء والفراعين ضرجت الأرض بدمائهم ، وهم بين جنودهم وخدمهم وحشمهم ! ؟ فهل يمكن بعد هذا أن يكون القرآن الذي احتوى ذلك الضمان من كلام محمد وهو من قد علمت ضعفه وقوة أعدائه يومئذ ؟ حتى لقد كان يتخذ الحراس قبل نزول هذه الآية ، فلما نزلت إذا ثقته واعتداده بها أعظم من ثقته واعتداده بمن كانوا يحرسونه . وسرعان ما صرف حراسه وسرحهم عند نزول الآية قائلا : أيها الناس انصرفوا فقد عصمني اللّه كما رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري . وكذلك روى مسلم في صحيحه عن جابر قال : كنا إذا أتينا في سفرنا على شجرة ظليلة تركناها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فلما كنا بذات الرقاع نزل نبي اللّه تحت شجرة وعلق سيفه فيها . فجاء رجل من المشركين فأخذ السيف فاخترطه وقال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : أتخافني ؟ قال : لا ، قال من يمنعك منى ؟ قال : اللّه يمنعني منك . ضع السيف فوضعه . ومما يجدر التنبيه له أن هذا الأمن كان في الغزوة التي شرعت فيها صلاة الخوف ! ومن شواهد حماية اللّه لرسوله وإنجازه له هذا الوعد ، ما ورد عن علي رضى اللّه عنه قال : كنا إذا احمر البأس وحمى الوطيس اتقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فما يكون أحد منا أقرب إلى العدو منه . ومن أبلغ الشواهد على ذلك أيضا ما ثبت من أنه صلى اللّه عليه وسلم في يوم حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم وأدبهم اللّه بالهزيمة حتى ولوا مدبرين ، أنزل سبحانه سكينته على رسوله ،