الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

265

مناهل العرفان في علوم القرآن

غيب المستقبل : وأما غيب المستقبل ، فنمثل له بأمثلة عشرة : ( المثال الأول ) إخبار القرآن عن الروم بأنهم سينتصرون في بضع سنين من إعلان هذا النبأ الذي بقول اللّه فيه : غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ . وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ . لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ . وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ ، لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وبيان ذلك أن دولة الرومان وهي مسيحية كانت قد انهزمت أمام دولة الفرس وهي وثنية ، في حروب طاحنة بينهما سنة 614 م فاغتم المسلمون بسبب أنها هزيمة لدولة متدينة أمام دولة وثنية ، وفرح المشركون وقالوا للمسلمين في شماتة العدو : إن الروم يشهدون أنهم أهل كتاب وقد غلبهم المجوس ، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل عليكم ، فسنغلبكم كما غلبت فارس الروم . فنزلت الآيات الكريمة يبشر اللّه فيها المسلمين بأن هزيمة الروم هذه سيعقبها انتصار في بضع سنين ، أي في مدة تتراوح بين ثلاث سنوات وتسع . ولم يك مظنونا وقت هذه البشارة أن الروم تنتصر على الفرس في مثل هذه المدة الوجيزة . بل كانت المقدمات والأسباب تأبى ذلك عليها ؛ لأن الحروب الطاحنة أنهكتها حتى غزيت في عقر دارها ، كما يدل عليه النص الكريم : فِي أَدْنَى الْأَرْضِ . ولأن دولة الفرس كانت قوية منيعة وزادها الظفر الأخير قوة ومنعة . حتى إنه بسبب استحالة أن ينتصر الروم عادة أو تقوم لهم قائمة ، راهن بعض المشركين أبا بكر على تحقق هذه النبوة . ولكن اللّه تعالى أنجز وعده وتحققت نبوءة القرآن سنة 622 م الموافقة للسنة الثانية من الهجرة المحمدية . ومما هو جدير بالذكر أن هذه الآية نفسها حملت نبوءة أخرى ، وهي البشارة بأن المسلمين سيفرحون بنصر عزيز في هذا الوقت الذي ينتصر فيه الروم ؛ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ