الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
262
مناهل العرفان في علوم القرآن
البارعة المعجزة شيئا كثيرا ، وحسبك أن يبتدئ الأمر بتقرير عقيدة التوحيد ، وألا تفرض الصلوات الخمس إلا بعد عشر سنوات تقريبا من البعثة ، ثم سائر العبادات بعضها تلو بعض . أما المعاملات فلم يستبحر الأمر فيها إلا بعد الهجرة . وقل مثل ذلك في المهيات . ولعلك لم تنس التدرج الإلهى الحكيم في تحريم الخمر . ( ثامنها ) مجىء القرآن بمطالب الروح والجسد جميعا ، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر . وفي ذلك آيات كثيرة تقدم التنويه بها في مناسبات أخرى ، من أجلها كان المسلمون أمة وسطا بين من تغلب عليهم المادية والحظوظ الجسدية كاليهود ، ومن تغلب عليهم النواحي الروحية وتعذيب الجسد وإذلال النفس كالهندوس والنصارى في تعاليمهم ، وإن خالفتها الكثرة الغامرة منهم . ( تاسعها ) مجىء القرآن بمطالب الدنيا والآخرة جميعا ، عن طريق التزام تعاليمه وهداياته التي أجملنا مقاصدها فيما سبق ، لا عن طريق الاعتقادات الخاطئة والأماني الكاذبة والتواكل وترك العمل . والآيات في هذا المعنى أظهر من أن تذكر . ( عاشرها ) مجىء القرآن بالتيسير ورفع الحرج عن الناس : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ - ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ - لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ . فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وهذا باب واسع وضع منه علماؤنا قواعد عامة كقولهم : المشقة تجلب التيسير ، والضرورات تبيح المحظورات . ثم فرعوا عليها فروعا وسعت ولا تزال تسع الناس أجمعين . والحمد للّه رب العالمين .