الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

26

مناهل العرفان في علوم القرآن

وإنما انفرد القرآن بهذه المزية لحم سامية ، وفوائد ذات شأن : ( أولها ) توفير عامل مهم من عوامل المحافظة على القرآن وبقائه مصونا من التغيير والتبديل اللذين أصابا كتب اللّه من قبل . ذلك أن هذا الأجر العظيم الذي وعده اللّه من يتلو كتابه العزيز ولو غير متفهم لمعانيه ، من شأنه أن يجب الناس في قراءة القرآن ويدفعهم إلى الإكثار منها ، ويحركهم إلى استظهاره وحفظه . ولا ريب أن انتشار القراءة والقراء والحفاظ ، يجعل القرآن كثير الدوران على الألسنة ، واضح المعالم في جميع الأوساط والطبقات ، وهنا لا يجرؤ أحد على تغيير شئ فيه ، وإلا لقى أشد العنت من عارفيه ، كما حدث لبعض من حاولوا هذا الإجرام ، من أعداء الإسلام . ( ثانيها ) إيجاد وحدة للمسلمين لغوية ، تعزز وحدتهم الدينية ، وتيسر وسائل التفاهم والتعاون فيما بينهم ، فتقوى بذلك صفوفهم ، وتعظم شوكتهم ، وتعلو كلمتهم . وتلك سياسة إلاهية عالية ، فطن لها الإسلام على يد هذا النبي الأمى في عهد قديم من عهود التاريخ ، ونجحت هذه السياسة نجاحا باهرا ، حتى انصوى تحت اللسان العربي أمم كثيرة مختلفة اللغات ، ونبغ منهم نابغون سبقوا كثيرا من العرب في علوم القرآن وعلوم لغة القرآن ، بينما أمم كبيرة في هذا العصر الحديث الذي يزعمونه عصر العلم والنور ، قد حاولت مثل هذه المحاولة بتقرير لسان عام ولغة عالمية مشتركة أسموها لغة « الاسبرنتو » ، فكانت محاولة فاشلة ، فضلا عن أنها جاءت مسبوقة متأخرة . ( ثالثها ) استدراج القارئ إلى التدبر والاهتداء بهدى القرآن عن طريق هذا الترغيب المشوق ، وبوساطة هذا الأسلوب الحكيم . فإن من يقرأ القرآن في يومه وهو غافل عن معانيه ، يقرؤه في غده وهو ذاكر لها . ومن قرأه في غده وهو ذاكر لها ، أوشك أن يعمل بعد غد بهديها . وهكذا ينتقل القارئ من درجة إلى درجة أرقى منها ، حتى يصل إلى الغاية بعد تلك البداية . « كل من سار على