الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

245

مناهل العرفان في علوم القرآن

وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ، ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها . وعاب على اليهود خيانتهم وظلمهم للشعوب فقال : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * . وقال : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . وقال : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذه المواضيع . والذي نريد أن تفطن له هنا ، هو أن هداية القرآن كما رأيت هداية تمة عامة ، صححت معارف الفلاسفة المكبين على البحث والنظر كما صححت معارف الأميين ومن لا ينتمى إلى العلم بسبب . وصححت أغلاط أهل الكتاب من يهود ونصارى ، كما صححت أغلاط مؤلهة الحجر وعبدة الوثن . وإذن فليس يصح في الأذهان شئ إذا قيل إن هذه الهدايات القرآنية ليست وحيا من اللّه ، وإنما هي نابعة من نفس محمد الأمى الناشئ في الأميين . وليس يصح في الأذهان شئ إذا قيل إنه صلى اللّه عليه وسلم قد استقى هذه الهدايات من بعض أهل الكتاب الذين لقيهم في الجزيرة العربية ، ولو صح هذا لكانوا هم أولى منه بدعوى الرسالة والنبوة . وكيف يصح هذا والقرآن هو الذي علمهم ما جهلوا من حقائق دينهم ؟ وهل فاقد الشيء يعطيه ؟ . وحسبك ما قدمناه لك من تلك الأمثلة التي تتصل بأساس الأديان وصميم العقائد ، والتي تريك بالمنظار المكبر أن القرآن جالس على كرسي الأستاذية العليا للعالم كله يعلم اليهود والنصارى وغير اليهود والنصارى ، لا على مقعد التلمذة الدنيا يتلقف من هؤلاء وهؤلاء .