الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

24

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولسنا هنا بصدد مقارنات فقهية أو موازنات مذهبية ؛ حتى نناصر رأيا على رأى أو نرجح فهما على فهم . فحسبنا في هذا الموضوع بيان دلالة نظم القرآن الكريم باعتبار معانيه الثانوية على هدايات متنوعة من عقائد وأحكام وآداب وأدلة ولطائف ، وإن اختلفت الناس في إدراكها على مقدار اختلاف مواهبهم واستعدادهم ، لأن هذه المعاني الثانوية دقيقة الطرق ، لطيفة المسالك ، ومن شأن الدقائق واللطائف أن يكون مجال التفاوت بين الفاهمين لها بعيدا . بخلاف دلالة نظم القرآن الكريم على هداياته باعتبار معانيه الأصلية فإنها واضحة قل أن يقع فيها تفاوت أو خلاف ، لأن هذه المعاني - كما قررنا - يستوى فيها العربي والعجمي ، والحضري والبدوي ، والذكي والغبي . واعلم أن قرآنية القرآن وامتيازه ، ترتبط بمعانيه الثانوية وما استفيد منها ، أكثر مما ترتبط بمعانيه الأصلية وما استفيد منها ، للاعتبارات الآنفة ، ولأن المعاني الأصلية ضيقة الدائرة محدودة الأفق ، أما المعاني الثانوية فبحر زاخر متلاطم الأمواج ، تتجلى فيها علوم اللّه وحكمته وعظمته الإلهية ، وتظهر منها فيوضات اللّه وإلهاماته العلوية على من وهبهم هذه الفيوضات والإلهامات من عباده المصطفين وورثة كلامه المقربين ، وأهل الذوق والصفاء من العلماء العاملين ، جعلنا اللّه منهم بمنه وكرمه آمين . إعجاز القرآن : المقصد الثاني من نزول القرآن الكريم ، أن يقوم في فم الدنيا آية شاهدة برسالة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يبقى على جبهة الدهر معجزة خالدة تنطق بالهدى ودين الحق ظاهرا على الدين كله ! . ووجوه إعجاز القرآن كثيرة نفصلها في مبحثها إن شاء اللّه . بيد أنا ننبهك هنا إلى أن بلاغته العليا وجه بارز من هذه الوجوه . بل هي أبرز وجوهه وجودا ، وأعظمها أفرادا ، لأن كل مقدار ثلاث آيات قصار معجز ، ولو كان هذا