الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

237

مناهل العرفان في علوم القرآن

نظام المبنى ودقة المعنى وتمام الوحدة الفنية وإذا قرأت سورة الضحى وسورة أقرأ وسورة الماعون ، لا تشعر بفارق بينها وبين كثير من السور القصار مثلها من حيث الإحكام والوحدة والانسجام كذلك ، على حين أن تلك السور الثلاث نزلت كل واحدة منها مفرقة على نجمين ! فقل لي بربك : هل يجوز في عقل عاقل أن يكون هذا القرآن كلام محمد أو غير محمد ، مع ما علمت من هذا الانفصال الزماني البعيد بين أول ما نزل وآخره ، ومع ما علمت من ارتباط كل نجم بحادثة من أحداث الزمن ووقائعه ، ومع ما علمت من أن ترتيب هذه النجوم في القرآن ليس على ترتيب هذا النزول الخاضع للحدثان ، بدليل أن أول ما نزل من القرآن إطلاقا - وهو صدر سورة اقرأ - مدون بالمصحف في أواخره ، وبدليل أن آخر ما نزل منه إطلاقا - وهو آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ - مدون بالمصحف في أوائله ؟ ؟ إن كنت في شك من أن هذا الكتاب المحكم الرصين قد جاء في طريقة تأليفه معجزة ، فاجمع أهل الدنيا يظاهر بعضهم بعضا ، واطلب إليهم أن يؤلفوا لك كتابا في حجم سورة البقرة لا في حجم سور القرآن كله ، لكن على شرط أن تكون طريقة تأليفه هي الطريقة التي خضعت لها سورة البقرة ، من الارتباط بأحداث الزمن ووقائعه ، ومن وضع هذه النجوم مبعثرة غير مرتبة في الكتاب بترتيب الأحداث والوقائع ثم من تمام هذا الكتاب أخيرا على وحدة فنية تربط بين بداياته ونهاياته وأوساطه وسائر أجزائه ؟ فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا ؛ فاطلب إليهم أن يعمدوا مثلا إلى حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ما هو في روعته وبلاغته وطهره وسموه ، وقد قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أوقات مختلفة ، واسألهم بعد ذلك هل في مكنتهم أن ينظموا من هذا السرد الشتيت الماثل أمامهم ، كتابا واحدا يصقله الاسترسال والوحدة كالقرآن ، من غير أن ينقصوا منه أو يتزيدوا عليه أو يتصرفوا فيه ؟ ؟ ذلك ما لن يكون ولا يمكن أن يكون ، ومن حاوله من الخلق فإنما يحاول العبث العابث ، وسيخرج إلى