الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
235
مناهل العرفان في علوم القرآن
واحد من الشعر يكون رائعا في مدحها ، ويضعها بيت يكون لاذعا في ذمها . ولقد كان هؤلاء العرب يعرفون نبي الإسلام ويعرفون مقدرته الكلامية من قبل أن يوحى إليه ، فلم يخطر ببال منصف منهم أن يقول : إن هذا القرآن كلام محمد ، وذلك لما يرى من المفارقات الواضحة بين لغة القرآن ولغة الرسول عليه الصلاة والسلام . يضاف إلى هذا أنه لم يعرف في نشأته بينهم بالخطابة ولا بالكتابة ولا بالشعر ، ولم يؤثر أنه شاركهم في معارضهم وأسواقهم العامة التي كانوا يقيمونها للتسابق في البيان . بل كان مقبلا على شأنه . زاهدا في الظهور ميالا إلى العزلة . وكل ما اشتهر به قبل النبوة أنه كان صادقا لم يجربوا عليه كذبا ، أمينا ما خان أبدا ، ميمون النقيبة عالي الأخلاق علوا ممتازا ! . فهل يعقل أن رجلا سلخ عهد شبابه وكهولته على هذا النمط ، يجيء في سن الشيخوخة فينافس العالم كله ويتحداه بشيء من لدنه ، وهو الذي ما نافس أحدا قبل ذلك ولا تحداه ، بل كان من خلقه الحياء والتواضع وعدم الاستطالة على خلق اللّه ؟ . ثم هل يتصور أن هذا الإنسان الكامل يتورع عن الكذب على الناس في صباه وشبابه وكهولته ، ثم يجيء في سن الشيخوخة فيكذب أفظع الكذب على اللّه ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ ؟ » . ألا إن وجود القرآن كلاما متلوا لم ينقص كلمة ولا حرفا ، لرحمة واسعة من اللّه بعباده لم تتسن لأي كتاب في أمة ، غير هذا الكتاب الذي يهل الظامئون من بحره الروى في كل عصر ، ويأوى المنصفون إلى هديه الرباني في كل مصر ، ويكتسب بما فيه من سمات الألوهية أتباعا في كل أفق ، مصداقا لقوله سبحانه : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ولقوله صلى اللّه عليه وسلم « ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما