الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

224

مناهل العرفان في علوم القرآن

المثل يتبعه العقل نفى المثل أيضا . وذلك أنه لو كان هناك مثل للّه . لكان لهذا المثل مثل قطعا وهو الإله الحق نفسه ، فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلا لصاحبه ، وإذا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل ، وهو المطلوب . وقصارى هذا التوجيه - لو تأملته - أنه مصحح لا مرجح ، أي أنه ينفى الضرر عن هذا الحرف ، ولكنه لا يثبت فائدته ، ولا يبين مسيس الحاجة إليه . ألست ترى أن مؤدى الكلام معه كمؤداه بدونه سواء ، وأنه إن كان قد ازداد به شيئا فإنما ازداد شيئا من التكلف والدوران وضربا من التعمية والتعقيد وهل سبيله إلا سبيل الذي أراد أن يقول هذا أخو فلان . فقال هذا ابن أخت خالة فلان ؟ فمآله إذا إلى القول بالزيادة التي يسترونها باسم التأكيد . ذلك الاسم الذي لا نعرف له مسمى هاهنا ، فإن تأكيد المماثلة ليس مقصودا البتة ، وتأكيد النفي بحرف يدل على التشبيه هو من الإحالة بمكان . ولو رجعت إلى نفسك قليلا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظا بقوة دلالته ، قائما بقسط جليل من المعنى المقصود في جملته ، وأنه لو سقط منها لسقطت معه دعامة المعنى أو لتهدم ركن من أركانه . ونحن نبين لك هذا من طريقين أحدهما أدق مسلكا من الآخر : ( الطريق الأول ) وهو أدنى الطريقين إلى فهم الجمهور : أنه لو قيل ( ليس مثله شئ ) لكان ذلك نفيا للمثل المكافئ ، وهو المثل التام المماثلة فحسب ؛ إذ أن هذا المعنى هو الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه . وإذا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام ، أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها ، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء ، أو للكواكب وقوى الطبيعة ، أو للجن والأوثان والكهان ، فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه ، وشرك ما في خلقه أو أمره فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاء للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها ، كأنه قيل : ليس هناك شئ يشبه أن يكون مثلا للّه ، فضلا عن أن يكون مثلا له على الحقيقة ، وهذا باب من التنبيه بالأدنى على الأعلى على حد قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما نهيا عن يسير الأذى صريحا ، وعما فوق اليسير بطريق الأخرى .