الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
220
مناهل العرفان في علوم القرآن
في كلامهم ، فإنهم إذا قصدوا إلى توضيح أغراضهم ، ضاقت ألفاظهم ولم تتسع لاستنباط وتأويل . وإذا قصدوا إلى إجمالها ، لم يتضح ما أرادوه ، وربما التحق عندئذ بالألغاز وما لا يفيد . والأمر في هذه الخاصة ظاهر غنى بظهوره عن التمثيل . وحسبك أن ترجع إلى كتب التفسير ، ففيها من ذلك الشيء الكثير « وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ » . الخاصة السابعة : قصد القرآن في اللفظ مع وفائه بالمعنى . ومعنى هذا أنك في كل من جمل القرآن ، تجد بيانا قاصدا مقدرا على حاجة النفوس البشرية من الهداية الإلهية ، دون أن يزيد اللفظ على المعنى ، أو يقصر عن الوفاء بحاجات الخلق من هداية الخالق . ومع هذا القصد اللفظي البرىء من الإسراف والتقتير ، تجده قد جلى لك المعنى في صورة كاملة ، لا تنقص شيئا يعتبر عنصرا أصليا فيها أو حلية مكملة لها ، كما أنها لا تزيد شيئا يعتبر دخيلا فيها وغريبا عنها . بل هو كما قال اللّه : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . ولا يمكن أن تظفر في غير القرآن ، بمثل هذا الذي تظفر به في القرآن ، بل كل منطيق بليغ مهما تفوق في البلاغة والبيان ، تجده بين هاتين الغايتين ، كالزوج بين ضرتين : بمقدار ما يرضى إحداهما يغضب الأخرى . فإن ألقى البليغ باله إلى القصد في اللفظ وتخليصه مما عسى أن يكون من الفضول فيه ، حمله ذلك في الغالب على أن يغض من شأن المعنى ، فتجيء صورته ناقصة خفية ، ربما يصل اللفظ معها إلى حد الإلغاز والتعمية . وإذا ألقى البليغ باله إلى الوفاء بالمعنى وتجلية صورته كاملة ، حمله ذلك على أن يخرج عن حد القصد في اللفظ ، راكبا متن الإسهاب والإكثار ، حرصا على ألا يفوته شئ من المعنى الذي يقصده ولكن يندر حينئذ أن يسلم هذا اللفظ من داء التخمة في إسرافه وفضوله ، تلك التخمة التي تذهب ببهائه ورونقه ، وتجعل السامع يتعثر في ذيوله ، لا يكاد يميز بين زوائد المعنى وأصوله .