الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

209

مناهل العرفان في علوم القرآن

لو دخل في القرآن شئ من كلام الناس لاعتل مذاقه في أفواه قارئيه ، واختل نظامه في آذان سامعيه . ومن عجيب أمر هذا الجمال اللغوي ، وذاك النظام الصوتي ، أنهما كما كانا دليل إعجاز من ناحية ، كانا سورا منيعا لحفظ القرآن من ناحية أخرى . وذلك أن من شأن الجمال اللغوي والنظام الصوتي ، أن يسترعى الأسماع ، ويثير الانتباه ، ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان ، إلى هذا القرآن الكريم . وبذلك يبقى أبد الدهر سائدا على ألسنة الخلق وفي آذانهم ، ويعرف بذاته ومزاياه بينهم ، فلا يجرؤ أحد على تغييره وتبديله مصداقا لقوله سبحانه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . الخاصة الثانية : إرضاؤه العامة والخاصة . و ؟ ؟ ؟ هذا أن القرآن الكريم إذا قرأته على العامة أو قرئ عليهم ، أحسوا جلاله ، وذاقوا حلاوته ، وفهموا منه على قدر استعدادهم ما يرضى عقولهم وعواطفهم . وكذلك الخاصة إذا قرءوه أو قرئ عليهم ؛ أحسوا جلاله وذاقوا حلاوته ، وفهموا منه أكثر مما يفهم العامة ، ورأوا أنهم بين يدي كلام ليس كمثله كلام لا في إشراق ديباجته ولا في امتلائه وثروته ، ولا كذلك كلام البشر ، فإنه إن أرضى الخاصة والأذكياء ، لجنوحه إلى التجوز والإغراب والإشارة ، لم يرض العامة لأنهم لا يفهمونه وإن أرضى العامة لجنوحه إلى التصريح والحقائق العارية المكشوفة ، لم يرض الخاصة لنزوله إلى مستوى ليس فيه متاع لأذواقهم ومشاربهم وعقولهم . الخاصة الثالثة : إرضاؤه العقل والعاطفة . ومعنى هذا أن أسلوب القرآن يخاطب العقل والقلب معا ، ( 14 - مناهل العرفان - 2 )