الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

206

مناهل العرفان في علوم القرآن

في الهواء ؛ مجردة من هيكل الحروف والكلمات ، كأن يكون السامع بعيدا عن القارئ المجود ، بحيث لا تبلغ إلى سمعه الحروف والكلمات متميزا بعضها عن بعض ، بل يبلغه مجرد الأصوات الساذجة المؤلفة من المدات والغنات ، والحركات والسكنات ، والاتصالات والسكتات ، نقول : إن من ألقى سمعه إلى هذه المجموعة الصوتية الساذجة يشعر من نفسه ولو كان أعجميا لا يعرف العربية ، بأنه أمام لحن غريب وتوقيع عجيب ، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم الشعر ، لأن الموسيقى تتشابه أجراسها وتتقارب أنغامها فلا يفتأ السمع أن يملها ، والطبع أن يمجها ، ولأن الشعر تتحد فيه الأوزان وتتشابه القوافي في القصيدة الواحدة غالبا وإن طالت ، على نمط يورث سامعه السأم والملل ، بينما سامع لحن القرآن لا يسأم ولا يمل ، لأنه يتنقل فيه دائما بين ألحان متنوعة ، وأنعام متجددة ، على أوضاع مختلفة يهز كل وضع منها أو تار القلوب ، وأعصاب الأفئدة . وهذا الجمال الصوتي أو النظام التوقيعى ، هو أول شئ أحسته الآذان العربية أيام نزول القرآن ، ولم تكن عهدت مثله فيما عرفت من منثور الكلام ، سواء أكان مرسلا أم مسجوعا ، حتى خيل إلى هؤلاء العرب أن القرآن شعر ؟ لأنهم أدركوا في إيقاعه وترجيعه لذة ، وأخذتهم من لذة هذا الإيقاع والترجيع هزة ، لم يعرفوا شيئا قريبا منها إلا في الشعر ، ولكن سرعان ما عادوا على أنفسهم بالتخطئة فيما ظنوا ، حتى قال قائلهم - وهو الوليد ابن المغيرة - : « وما هو بالشعر » معللا ذلك بأنه ليس على أعاريض « 1 » الشعر في رجزه « 2 » ولا في قصيدة . بيد أنه تورط في خطأ أفحش من هذا الخطأ ، حين زعم في ظلام العناد

--> ( 1 ) جمع عروض على غير قياس كأنهم جمعوا عريضا . وهو ميزان الشعر أو الجزء الذي في آخر النصف الأول من البيت ؟ مختار ( 2 ) الرجز ضرب من الشعر وزنه مستفعلن ست مرات . وزعم الخليل أنه ليس بشعر وإنما هو أنصاف أبيات أو أثلاث ؟ قاموس .