الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

193

مناهل العرفان في علوم القرآن

إلا أن يعتقد التحيز والجسمية ولا يتأتى غير هذا ، فإن سمعت منهم سوى ذلك فهو قول متناقض ، وكلامهم لا معنى له » اه . الشبهة الثالثة ودفعها : نقل السيوطي عن بعضهم أنه قال : « إن قيل : ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى . ( قلنا ) إن كان ( أي المتشابه ) مما يمكن علمه فله فوائد : منها الحث للعلماء على النظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه ، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب . ومنها ظهور التفاضل وتفاوت الدرجات ، إذ لو كان كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ، ولم يظهر فضل العالم على غيره . وإن كان ( أي المتشابه ) مما لا يمكن علمه ( أي بأن استأثر اللّه به ) فله فوائد : منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقف فيه والتفويض والتسليم ، والتعبد بالاشتغال به من جهة التلاوة كالمنسوخ وإن لم يجز العمل بما فيه ، وإقامة الحجة عليهم ، لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم ؛ وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم وأفهامهم ، دل على أنه نزل من عند اللّه ؛ وأنه هو الذي أعجزهم عن الوقوف » اه . ونسترعى نظرك هنا إلى ما أسلفناه في الحكم الماضية ، ثم إلى ما ذكره ابن اللبان في مقدمة كتابه : ( رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات ) إذ قال ما خلاصته . « ليس في الوجود فاعل إلا اللّه ، وأفعال العباد منسوبة الوجود إليه تعالى بلا شريك ولا معين فهي في الحقيقة فعله ، وله بها عليهم الحجة « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ » ومن المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين : مظهر عبادي منسوب لعباده ، وهو الصور والجوارح الجثمانية . ومظهر حقيقي منسوب إليه ، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية ( 13 - مناهل العرفان - 2 )