الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
178
مناهل العرفان في علوم القرآن
( النوع الثالث ) ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ، ولذلك أمثلة كثيرة من المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب اللّه . قال الراغب ( المتشابه على ثلاثة أضرب : ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه ، كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك ، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة . وضرب متردد بين الأمرين يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم . وهو المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) . هل في ذكر المتشابهات من حكمة عرفنا أن المتشابهات أنواع ثلاثة ، ونزيدك هنا أن لهذه المتشابهات المتنوعة حكمة بل حكما في ذكر الشارع إياها . فالنوع الأول - وهو ما استأثر اللّه بعلمه - تلوح لنا فيه حكم خمس : ( أولاها ) رحمة اللّه بهذا الإنسان الضعيف الذي لا يطيق معرفة كل شئ . وإذا كان الجبل حين تجلى له ربه جعله دكا وخر موسى صعقا ، فكيف لو تجلى سبحانه بذاته وحقائق صفاته للإنسان ؟ ومن هذا القبيل أخفى اللّه على الناس معرفة الساعة رحمة بهم كيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها ، وكيلا يفتك يهم الخوف والهلع لو أدركوا بالتحديد شدة قربها منهم . ولمثل هذا حجب اللّه عن العباد معرفة آجالهم ، ليعيشوا في بحبوحة من أعمارهم ، فسبحانه من إله حكيم ، رحمن رحيم . ( ثانيتها ) الابتلاء والاختبار : أيؤمن البشر بالغيب ثقة بخبر الصادق أم لا ؟ فالذين اهتدوا يقولون آمنا وإن لم يعرفوا على التعيين . والذين في قلوبهم زيغ يكفرون به ، وهو الحق من ربهم ، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والخروج من الدين جملة .