الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

158

مناهل العرفان في علوم القرآن

الآية السابعة وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فإنها منسوخة بقوله سبحانه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لأن الآية الأولى تفيد أن اللّه يكلف العباد حتى بالخطرات التي لا يملكون دفعها ، والآية الثانية تفيد أنه لا يكلفهم بها ، لأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها . والذي يظهر لنا أن الآية الثانية مخصصة للأولى وليست ناسخة . لأن إفادة الأولى لتكليف اللّه عباده بما يستطيعون مما أبدوا في أنفسهم أو أخفوا ، لا تزال هذه الإفادة باقية ، وهذا لا يعارض الآية الثانية حتى يكون ثمة نسخ . وقال بعضهم : إن الآية محكمة ، لأنها خاصة بكتمان الشهادة وإظهارها . ويرده أنه لا دليل على هذا التخصيص . وقال بعضهم : إنها محكمة مع بقائها على عمومها ، والمعنى أن اللّه يحاسب المؤمنين والكافرين بما أبدوا وبما أخفوا ، فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين . . . ويرده أن هذا العموم لا يسلم بعد ما تقرر من أن اللّه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، سواء أكانت نفسا مؤمنة أم كافرة . لأن لفظ « نفسا » نكرة في سياق النفي فيعم . الآية الثامنة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال السيوطي : ليس في آل عمران آية يصح فيها دعوى النسخ إلا هذه الآية . فقد قيل إنها منسوخة قول اللّه تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . اه . والذي يبدو لنا أنها غير منسوخة ، لأن التعارض الحقيقي بين الآيتين غير مسلم ، فإن تقوى اللّه حق تقواه المأمور بها في الآية الأولى ، معناها الإتيان بما يستطيعه المكلفون من هداية اللّه ، دون ما خرج عن استطاعتهم ، وقد ورد تفسيرها بأن يحفظ الإنسان رأسه وما وعى ،