الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
145
مناهل العرفان في علوم القرآن
في خبر الواحد الذي لا يفيد القطع ؛ وهذه القرائن التي تفيد القطع هنا ، نعلمها من أن الحادثة المروية حادثة جزئية حسية ، لا تحتمل الخطأ ولا النسيان ، وأنها تتصل بأمر عظيم هو صلاة جمع من المسلمين ، وأن الراوي لها صحابي جليل ، وأنه لا واسطة بينه وبين الرسول ، وأنه واثق من أنه إن كذب فسيفتضح أمره لا محالة ، وسيلاقى من العنت والعقاب ما يحيل العقل عادة معه تسبب هذا الراوي العظيم له . يضاف إلى هذا أن التوجه إلى بيت المقدس كان متوقع الانتساخ ، لما هو معروف من حب العرب وحب الرسول معهم لاستقبال الكعبة التي هي مفخرتهم ومفخرة آبائهم وأجدادهم . فكان عليه الصلاة والسلام يرفع وجهه إلى السماء انتظار النزول الوحي بذلك . « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » . نسخ القياس والنسخ به ينطوى تحت نسخ القياس والنسخ به صور ثلاث : ( أولاها ) أن ينسخ القياس حكما دل عليه قياس . ومثلوا ذلك بأن يوجب الشارع إكرام زيد لسخائه ، فنقيس عليه عمرا لوجود علة السخاء فيه . ثم بعد ذلك يوجب الشارع إهانة بكر لكونه سكيرا ، فنقيس عليه عمرا المذكور لوجود علة السكر فيه وبذلك ينتسخ وجوب إكرام عمرو بوجوب إهانته ، عند ترجيح هذا القياس الثاني على الأول . ( ثانيتها ) أن ينسخ القياس حكما دل عليه نص ، كأن ينص الشارع على إباحة النبيذ ، ثم بعد ذلك يحرم الخمر لإسكاره ، فنقيس النبيذ عليه لوجود علة الإسكار فيه . وبذلك ينتسخ حكم الإباحة الثابت نصا ، بحكم التحريم الثابت قياسا . ( ثالثتها ) أن ينسخ النص قياسا ، كأن يحرم الشارع الخمر لكونه مسكرا ، فنحمل عليه النبيذ لإسكاره ، ثم بعد ذلك ينص الشارع على إباحة النبيذ ، فتنسخ حرمة النبيذ الثابتة قياسا ، بإباحته الثابتة نصا .