الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
14
مناهل العرفان في علوم القرآن
أن التفسير مراعى فيه أنه بيان لا يمكن أن يقوم مقام المبين ، ولا أن يدعى فيه الاطمئنان إلى أنه واف بجميع أغراضه ومعانيه . الترجمة والتفسير الاجمالي بغير لغة الأصل : بيد أن هنا دقيقة نرشدك إليها . هي أن التفسير بغير لغة الأصل يشبه الترجمة التفسيرية شبها قريبا . إذا كان هذا التفسير إجماليا قائما على اختيار معنى واحد من المعاني المحتملة . ولعل هذا التشابه هو الذي أوقع بعضهم في الاشتباه ودعوى الاتحاد بين الترجمة التفسيرية وترجمة التفسير . أو التفسير بغير لغة الأصل . ولكن النظر الصحيح لا يزال يقضى بوجود الفوارق الأربعة السابقة بين هذين النوعين أيضا . فالمفسر يقتضيه واجب البيان ألا يسوق المعنى الإجمالي المختار من بين عدة معان محتملة حتى يوجه هذا الاختيار ، وهذا التوجيه محقق للاستطراد الزائد على مدلول الأصل . ثم إن صنيعه هذا سيشعر القارئ أن للأصل معاني أخرى قد يكون هذا الذي اختير من بينها غير سديد . وقد يتوقف المفسر جملة ويعلن عجزه إذا ما أشكل عليه المعنى ورأى أن يلوذ بالصمت . وهذا محقق لعدم الوفاء بجميع معاني الأصل ولعدم الاطمئنان الذي نوهنا به . ثم إن صيغة هذا التفسير لا بد من أن ترتبط بالأصل ولو بالإشارة والتلويح ، فيقال معنى هذه الآية أو الجملة هو كذا . . أو يقال معنى الآية المرقومة برقم كذا من سورة كذا هو كذا وكذا . . وذلك محقق لعدم استقلال الصيغة . بخلاف الترجمة في ذلك كله . فإن افترضت أن هذا المفسر سيترك وجه الاختيار وسيقطع الصلة قطعا بين التفسير وأصله ، أجبناك بأن هذا التصرف في الحقيقة لا تفسير ولا ترجمة ، بل هو ذبذبة خرج بها الكلام عما يجب في التفسير وفي الترجمة جميعا . لأنه لم يشرح ولم يبين حتى يكون مفسرا كما يجب ، ولم يصور معاني الأصل ومقاصده كلها حتى يكون مترجما كما يجب . فإن أدى ذلك إلى الناس بعنوان أنه ترجمة للأصل ، فإما أن يكون صادرا في هذا الأداء عن قصور أو عن تقصير . فإن كان عن قصور فهو العجز والجهالة وإن كان عن تقصير فهو تضليل