الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
137
مناهل العرفان في علوم القرآن
وندفع الوجه الثالث بأنا نقول بموجبه وهو أن الناسخ في الحقيقة هو اللّه وحده والسنة إذا نسخته فإنما تنسخه من حيث إنها وحى صادر منه سبحانه . شبهتان ودفعهما ( 1 ) لقائل أن يقول : إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ليس وحيا أوحى إليه به ، بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول في لطف تارة وفي عنف أخرى . فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول : إن السنة وحى من اللّه ؟ . والجواب أن مرادنا هنا بالسنة ، ما كانت عن وحى جلى أو خفى ، أما السنة الاجتهادية ، فليست مرادة هنا البتة ، لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص ، فكيف يعارضه ويرفعه ؟ وقد شرحنا أنواع السنة في كتابنا ( المنهل الحديث في علوم الحديث ) فارجع إليه إن شئت . ( 2 ) ولقائل أن يقول : إن من السنة ما كان آحاديا . وخبر الواحد مهما صح فإنه لا يفيد القطع ، والقرآن قطعي المتن ، فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع ؟ ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين ؟ . والجواب أن المراد بالسنة هنا السنة المتواترة دون الآحادية . والسنة المتواترة قطعية الثبوت أيضا كالقرآن . فهما متكافئان من هذه الناحية ، فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر . أما خبر الواحد فالحق عدم جواز نسخ القرآن به ، للمعنى المذكور ، وهو أنه ظني والقرآن قطعي ، والظني أضعف من القطعي فلا يقوى على رفعه . والقائلون بجواز نسخ القرآن بالسنة الآحادية ، اعتمادا على أن القرآن ظني الدلالة ، حجتهم داحضة ، لأن القرآن إن لم يكن قطعي الدلالة فهو قطعي