الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

119

مناهل العرفان في علوم القرآن

ذلك بالجلد والنفي في حق البكر ، وبالرجم في حق الثيب . ومنها أن اللّه تعالى فرض على المسلمين أولا صوم يوم عاشوراء ، ثم نسخه بفرض صوم شهر رمضان كله مع تخيير الصحيح المقيم بين صيامه والفدية ، ثم نسخ سبحانه هذا التخيير بتعيين الصوم على هذا الصحيح المقيم إلزاما . شبهات المانعين ودفعها ذلك ما ارتآه الجمهور . ولكن قوما شطوا فمنعوا هذا النوع الثالث عقلا . وآخرون أسرفوا فمنعوه سمعا . وكلهم محجوجون بما ذكرنا من الأدلة . غير أنا لا نكتفي بذلك ، بل نعرض عليك شبهاتهم ، ونفندها بين يديك لئلا تنخدع ولا نسمح لأحد أن ينخدع ! ؟ الشبهة الأولى ودفعها : يقول المانعون لهذا النوع عقلا : إن تكليف اللّه لعباده لا بد أن يكون لمصلحة راجعة إلى العباد لا إليه . ومحال أن يكون لغير مصلحة ، وإلا كان اللّه سبحانه عابثا . ومحال أن يكون لمصلحة تعود على اللّه ، لأنه تعالى هو الغنى عن خلقه جميعا . وإذا كان التكليف راجعا لمصلحة العباد وحدهم ، فلا بد أن يكون على حالة تدعو إلى امتثالهم . وليس في نقل العباد من الأخف إلى الأشد داعية إلى امتثالهم . بل هو العكس من ذلك : فيه تزهيد لهم في الطاعة ، وتثبيط لهم عن الواجب . وكل ما كان كذلك يمتنع أن يصدر من اللّه عقلا . وندفع هذه الشبهة : ( أولا ) بأن هذه سفسطات مفضوحة ، ومغالطات مكشوفة ، عمى فيها هؤلاء أو تعاموا عن الحقائق الواقعة في التشريع ، وهي نقل العباد فعلا من أحكام خفيفة إلى أحكام أشد منها . كما مثلنا آنفا . ( ثانيا ) أننا نقلب حجة هؤلاء عليهم ، ونرد كيدهم في نحرهم ، ونعمل سلاحهم