الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
117
مناهل العرفان في علوم القرآن
ومثال النسخ بلا بدل أن اللّه تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول فقال . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ثم رفع هذا التكليف عن الناس من غير أن يكلفهم بشيء مكانه ، بل تركهم في حل من ترك الحكم الأول دون أن يوجه إليهم حكما آخر . فقال : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ ، فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . شبهة ودفعها ذلك مذهب الجمهور من العلماء ، ولكن بعض المعتزلة والظاهرية يقولون : إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعا . وشبهتهم في هذا أن اللّه تعالى يقول : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . ووجه اشتباههم أن الآية تفيد أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر هو خير منه أو مثله . ولكنها شبهة مدفوعة بما ذكرنا من النصين السابقين في تقديم الصدقة بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم . واحتجاجهم بآية « ما ننسخ » على الوجه الذي ذكروه احتجاج داحض ، لأن اللّه تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل ، فهمنا بمقتضى حكمته أو رعايته لمصلحة عباده أن عدم الحكم صار خيرا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس . وصح أن يقال حينئذ إن اللّه نسخ حكم الآية السابقة ، وأتى بخير منها في الدلالة على عدم الحكم الذي بات في وقت النسخ أنفع للناس وخيرا لهم من الحكم المنسوخ . ومعنى آية « ما ننسخ » لا يأبى هذا التأويل ، بل يتناوله كما يتناول سواه ، والنسخ فيها أعم من نسخ التلاوة والحكم مجتمعين ومنفردين ، ببدل وبغير بدل والخيرية والمثلية فيها أعم من الخيرية والمثلية في الثواب وفي النفع . وقد مر بيان ذلك فيما سبق عند الكلام على أدلة النسخ عقلا .