الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

11

مناهل العرفان في علوم القرآن

وقطع وشائج اتصاله بأصله مطلقا . ولو جرد لتفكك الكلام وصار لغوا أو أشبه باللغو ، فلا يؤدى معنى سليما ، فضلا عن أن يحل في جملته وتفصيله محل أصله . ( الفارق الثاني ) أن الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد ، أما التفسير فيجوز بل قد يجب فيه الاستطراد . وذلك لأن الترجمة مفروض فيها أنها صورة مطابقة لأصلها حاكية له ، فمن الأمانة أن تساويه بدقة من غير زيادة ولا نقص ، حتى لو كان في الأصل خطأ لوجب أن يكون الخطأ عينه في الترجمة ، بخلاف التفسير فإن المفروض فيه أنه بيان لأصله وتوضيح له . وقد يقتضى هذا البيان والإيضاح أن يذهب المفسر مذاهب شتى في الاستطراد ، توجيها لشرحه ، أو تنويرا لمن يفسر لهم على مقدار حاجتهم إلى استطراده . ويظهر ذلك في شرح الألفاظ اللغوية خصوصا إذا أريد بها غير ما وضعت له ، وفي الواضع التي يتوقف فهمها أو الاقتناع بها على ذكر مصطلحات أو سوق أدلة أو بيان حكمة . وهذا هو السر في أن أكثر تفاسير القرآن الكريم تشتمل على استطرادات متنوعة ، في علوم اللغة ، وفي العقائد ، وفي الفقه وأصوله ، وفي أسباب النزول ، وفي الناسخ والمنسوخ ، وفي العلوم الكونية والاجتماعية ، وغير ذلك . ومن ألوان هذا الاستطراد ، تنبيهه على خطأ الأصل إذا أخطأ ، كما نلاحظ ذلك في شروح الكتب العلمية . ويستحيل أن تجد مثل هذا في الترجمة ، وإلا كان خروجا عن واجب الأمانة والدقة فيها . ( الفارق الثالث ) أن الترجمة تتضمن عرفا دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده ، ولا كذلك التفسير ، فإنه قائم على الإيضاح كما قلنا ، سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالى أو تفصيلي ، متناولا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرا على بعضها دون بعض ، طوعا للظروف التي يخضع لها المفسر ومن يفسر لهم