الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

68

مناهل العرفان في علوم القرآن

فيها ولا حركة ، ولا لين ولا رطوبة ، ثم ألقاها باسم الذي أرسله ؛ فإذا هي حية تسعى ، بينما الأمة التي تحدّاها بذلك كانت قد تفوّقت في السحر وحذقته ؛ وضربت فيه بأوفر سهم وأوفى نصيب ، خصوصا أنهم أمة وهو فرد . وهم نابغون في السحر وهو مع نشأته فيهم لم يعرف يوما من الأيام بمعالجة السحر . وهم معتزّون بعددهم وعددهم وسلطانهم ، وهو خلو من هذه الأسباب والمظاهر ! . فهل يبقى للشك ظل بعد أن ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون ، ووقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ! . الحقّ أبلج . ولذلك كان أول من آمن به هم السحرة أنفسهم ، لأنهم أعرف بالسحر ومقدماته ونتائجه ، وقد رأوا رأى العين أن ذلك الاعجاز ليس من نوع هذا السحر المبنى على مقدمات يستطيع كل إنسان أن يزاولها ، ولها نتائج محدودة لا يمكن أن يتجاوزها . نعم لم يطق السحرة صبرا عن المسارعة إلى الاعتراف والخضوع للحق بعد ما تبيّن ، مهما كلّفهم ذلك أن يقتلوا أو يصلبوا ؛ وقالوا لفرعون مليكهم ومعبودهم بالأمس « لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا . فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا » . اقرأ إن شئت الآيات بعدها في سورة طه إلى قوله سبحانه : « وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى » . قل مثل ذلك في معجزة كل رسول أرسله اللّه : قله في عيسى عليه السلام وإبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير باذن اللّه ؛ أمام قوم نبغوا في الطب أيّما نبوغ ومهروا فيه أيّما مهارة « 1 » ! .

--> ( 1 ) لا تعبأ هنا بما يعزى إلى المسيو رينان من إنكاره نبوغ قوم عيسى في الطب . فإنه ناف ، والمثبت مقدّم على النافي وعلى فرض صحة هذا النفي فإن هذا لا يضرنا شيئا لأن المعجزة يكفى في تحقّقها عجز البشر عن مثلها . وليس تفوّق المواجهين بها شرطا ، إنما هو أمر زائد غير مشروط .