الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
58
مناهل العرفان في علوم القرآن
والأدلة الشرعية على ما ذكره كثيرة في الكتاب والسنّة ، منها ما قصصنا عليك في تنزّلات القرآن ، ومنها قوله تعالى : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » . ومنها الحديث الذي يرويه البخارىّ في صحيحه عن عائشة أمّ المؤمنين رضى اللّه عنها : أنّ الحارث بن هشام سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس - وهو أشدّه على - فيفصم عنّى وقد وعيت عنه ما قال . وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمنى فأعي ما يقول » قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا . ب - الوحي من ناحية العلم اعلم أن أعداء الوحي ومنكريه لا يؤمنون بالشرع وأدلة الشرع . إنما يؤمنون بالعقل على الطريقة التي يستسيغونها ، وبالعلم الذي تواضعوا عليه في اصطلاحهم الحديث ، وهو جملة المعارف اليقينية التي أنتجها دستور البحث الجديد في الوجود وكائناته ، من جعل الشك أساسا للبحث ، والاستناد إلى القاطع الذي يؤيده الحسّ دون سواه ، فهم يقدّمون الشكّ ويمنعون فيه ، ثم لا يعترفون إلا بالحسيّات ، ولا يحفلون بمجرد العقليات . ومن هنا سجنوا أنفسهم في سجن المادّة ، ومكثوا حينا من الدهر ينكرون ما وراء المادّة ، ويسرفون في الشكوك إلى أبعد الحدود ، ويستخفّون بأمر الإلهيات والنبوّات والوحي إلى مدى بعيد لم تصل إليه أظلم عهود الجاهلية ، لولا أن صدمهم العلم نفسه صدمة عنيفة غيّرت رأيهم في إنكار ما وراء المادة كما يأتي إن شاء اللّه . وإنما نبدأ هنا بأدلة الوحي العلمية ، لأنها في الواقع أدلة لإمكان الوحي وتقريبه إلى المعقول . وإمكان الوحي هو الخطوة الأولى في الموضوع ،