الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

54

مناهل العرفان في علوم القرآن

سمات الربوبيّة ، ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن ، وأنه كلام الواحد الديان « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . وإلا فحدثني - بربك - كيف تستطيع أنت ؟ أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط ، متين النّسج والسرد ، متآلف البدايات والنهايات ، مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر ، وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كلّ جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ، ومتحدثا عنها : سببا بعد سبب ، وداعية إثر داعية ، مع اختلاف ما بين هذه الدواعي ، وتغاير ما بين تلك الأسباب ، ومع تراخى زمان هذا التأليف ، وتطاول آماد هذه النجوم ، إلى أكثر من عشرين عاما . لا ريب أن هذا الانفصال الزماني ، وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي ، يستلزمان في مجرى العادة التفكّك والانحلال ، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام . أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا : نزل مفرّقا منجما ، ولكنه تمّ مترابطا محكما . وتفرّقت نجومه تفرّق الأسباب ، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب . ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عاما ، ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما ! ! . أليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر ، وما لك الأسباب والمسبّبات ، ومدبّر الخلق والكائنات ، وقيّوم الأرض والسماوات ، العليم بما كان وما سيكون ، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شؤون ؟ ؟ . لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا نزلت عليه آية أو آيات ، قال : « ضعوها في مكان كذا من سورة كذا » . وهو بشر لا يدرى ( طبعا ) ما ستجىء به الأيام ، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ، ولا يدرك ما سيحدث