الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
49
مناهل العرفان في علوم القرآن
وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم ، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية ، وبالدفاع عن دينها الجديد بالحديد والدم ، فلو نزل القرآن جملة واحدة لعجزوا عن حفظه ، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله اللّه إليهم مفرقا ليسهل عليهم حفظه ، ويتهيّأ لهم استظهاره . ثانيها : تسهيل فهمه عليهم كذلك ، مثل ما سبق في توجيه التيسير في حفظه . ثالثها : التمهيد لكمال تخلّيهم عن عقائدهم الباطلة ، وعباداتهم الفاسدة ، وعاداتهم المرذولة . وذلك بأن يراضوا على هذا التخلّى شيئا فشيئا ، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئا فشيئا ، فكلما نجح الإسلام معهم في هدم باطل ، انتقل بهم إلى هدم آخر ، وهكذا يبدأ بالأهم ثم بالمهم ، حتى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلها فطهّرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج ، وفطمهم عنها دون أن يرتكسوا في سابق فتنة أو عادة . وكانت هذه سياسة رشيدة ، لا بد منها في تربية هذه الأمة المجيدة ، لا سيما أنها كانت أبيّة معاندة ، تتحمّس لموروثاتها ، وتستميت في الدفاع عما تعتقده من شرفها ؛ وتتهوّر في سفك الدماء وشنّ الغارات ، لأتفه الأسباب . رابعها : التمهيد لكمال تحلّيهم بالعقائد الحقة ، والعبادات الصحيحة ، والأخلاق الفاضلة ، بمثل تلك السياسة الرشيدة السابقة . ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشرك والإباحة ، وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد والجراء ، من جرّاء ما فتح عيونهم عليه من أدلة التوحيد ، وبراهين البعث بعد الموت ، وحجج الحساب والمسؤولية والجزاء . ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات فبدأهم بفرضية الصلاة قبل الهجرة ، وثنّى بالزكاة وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة ، وختم بالحج في السنة السادسة منها . وكذلك كان الشأن في العادات : زجرهم عن الكبائر وشدّد النكير عليهم فيها . ثم نهاهم عن الصغائر في شئ من الرفق ، وتدرّج بهم في تحريم ما كان مستأصلا فيهم