الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

47

مناهل العرفان في علوم القرآن

الوجه الثالث : أن في كل نوبة من نوبات هذا النزول المنجّم معجزة جديدة غالبا ، حيث تحداهم كل مرة أن يأتوا بمثل نوبة من نوب التنزيل ، فظهر عجزهم عن المعارضة ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت . ولا شك أن المعجزة تشدّ أزره وترهف عزمه ، باعتبارها مؤيّدة له ولحزبه . خاذلة لأعدائه ولخصمه . الوجه الرابع : أن في تأييد حقه ودحض باطل عدوه - المرة بعد الأخرى - تكرارا للذة فوزه وفلجه بالحق والصواب . وشهوده لضحايا الباطل في كل مهبط للوحي والكتاب . وإن كلّ ذلك إلّا مشجّع للنفس مقوّ للقلب والفؤاد . والفرق بين هذا الوجه والذي قبله ، هو الفرق بين الشيء وأثره ، أو الملزوم ولازمه ، فالمعجزة من حيث إنها قوة للرسول ومؤيدة له مطمئنة له ومثبتة لفؤاده ، بقطع النظر عن أثر انتصاره وهزيمة خصمه بها . ثم إن هذا الأثر العظيم وحده مطمئن لقلبه الكريم ومثبت لفؤاده أيضا ، أشبه شئ بالسلاح : وجوده في يد الإنسان مطمئن له ولو لم يستعمله في خصمه ثم انتصار الإنسان وهزيمة خصمه به إذا أعمله فيه مطمئن للفؤاد مريح للقلب مرة أخرى . الوجه الخامس : تعهّد اللّه إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه بما يهون عليه هذه الشدائد . ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعدّدة ، فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة . فكلما أحرجه خصمه ، سلّاه ربه . وتجىء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين ، التي لها في القرآن عرض طويل ، وفيها يقول اللّه : « وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ » من سورة هود . وتارة تجىء التسلية عن طريق وعد اللّه لرسوله بالنصر والتأييد والحفظ ، كما في قوله سبحانه في سورة الطور : « وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا » وقوله في سورة المائدة : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » ونحو ما في