الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

45

مناهل العرفان في علوم القرآن

الشريف إلى أول ربيع الأول سنة 54 منه . أما مدة إقامته في المدينة بعد الهجرة فهي تسع سنوات وتسعة أشهر وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة 54 من مولده إلى تاسع ذي الحجة سنة 63 منه . ويوافق ذلك سنة عشر من الهجرة وهذا التحقيق قريب من القول بأن مدة إقامته صلّى اللّه عليه وسلّم في مكة ثلاث عشرة سنة وفي المدينة عشر سنين ، وأن مدة الوحي بالقرآن ثلاثة وعشرون عاما . لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاثة ؛ ذلك لأنه أهمل من حسابه باكورة الوحي إليه صلّى اللّه عليه وسلّم عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر ، على حين أنها ثابتة في الصحيح . ثم جرى فيه على أن ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء ، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح . ثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ » وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة ، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح . دليل تنجيم هذا النزول والدليل على تفرق هذا النزول وتنجيمه ، قول اللّه - تعالت حكمته - في سورة الإسراء : « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا » وقوله في سورة الفرقان : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً . كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا . وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً » . روى أن الكفار من يهود ومشركين عابوا على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نزول القرآن مفرقا ، واقترحوا عليه أن ينزل جملة ، فأنزل اللّه هاتين الآيتين ردّا عليهم ، وهذا الردّ يدلّ على أمرين :