الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

41

مناهل العرفان في علوم القرآن

القرآن عن الحفظة نجوما عشرين . ولكنا لا نعرف لصاحب هذا الرأي دليلا ولا شبه دليل . ثالثها : قال البيهقي في معنى قوله تعالى : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » « يريد - واللّه أعلم - إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع » ا ه . ومعنى هذا أن جبريل أخذ القرآن عن اللّه سماعا . وذلك فيما أرى أمثل الأقوال من ناحية أخذ جبريل عن اللّه لا من ناحية تأويل النزول في الآية بابتداء النزول . ويؤيده ما أخرجه الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إذا تكلّم اللّه بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف اللّه ، فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخرّوا سجّدا فيكون أو لهم يرفع رأسه جبريل ، فيكلمه اللّه بوحيه بما أراد ، فينتهى به إلى الملائكة فكلما مرّ بسماء سأله أهلها ما ذا قال ربنا ؟ قال : الحق ، فينتهى به حيث أمر » . وأيّا ما تكن هذه الأقوال ، فإن هذا الموضوع لا يتعلق به كبير غرض ، ما دمنا نقطع بأن مرجع التنزيل هو اللّه تعالى وحده . ما الذي نزل به جبريل ؟ ولتعلم في هذا المقام ، أن الذي نزل به جبريل على النبي صلّى اللّه عليه وسلم هو القرآن باعتبار أنه الألفاظ الحقيقية المعجزة من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس . وتلك الألفاظ هي كلام اللّه وحده ، لا دخل لجبريل ولا لمحمد في إنشائها وترتيبها ، بل الذي رتّبها أولا هو اللّه سبحانه وتعالى ، ولذلك تنسب له دون سواه ، وإن نطق بها جبريل ومحمد ، وملايين الخلق من بعد جبريل ومحمد ، من لدن نزول القرآن إلى يوم الساعة . وذلك كما ينسب الكلام البشرى إلى من أنشأه ورتّبه في نفسه أولا دون غيره ، ولو نطق به آلاف الخلائق ، في آلاف الأيام والسنين إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين .