الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

518

مناهل العرفان في علوم القرآن

الرابعة : الأخذ بما يقتضيه الكلام ويدل عليه قانون الشرع . وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لابن عباس في قوله : « اللّهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل » . فمن فسر القرآن برأيه أي باجتهاده ملتزما الوقوف عند هذه المآخذ معتمدا عليها فيما يرى من معاني كتاب اللّه ، كان تفسيره سائغا جائزا خليقا بأن يسمى التفسير الجائز أو التفسير المحمود . ومن حاد عن هذه الأصول وفسر القرآن غير معتمد عليها ، كان تفسيره ساقطا مرذولا خليقا بأن يسمى التفسير غير الجائز أو التفسير المذموم . فالتفسير بالرأي الجائز يجب أن يلاحظ فيه الاعتماد على ما نقل عن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه مما ينير السبيل للمفسر برأيه . وأن يكون صاحبه عارفا بقوانين اللغة خبيرا بأساليبها . وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة حتى ينزّل كلام اللّه على المعروف من تشريعه . أما الأمور التي يجب البعد عنها في التفسير بالرأي فمن أهمها التهجم على تبيين مراد اللّه من كلامه على جهالة بقوانين اللغة أو الشريعة . ومنها حمل كلام اللّه على المذاهب الفاسدة . ومنها الخوض فيما استأثر اللّه بعلمه . ومنها القطع بأن مراد اللّه كذا من غير دليل . ومنها السير مع الهوى والاستحسان . ويمكن تلخيص هذه الأمور الخمسة في كلمتين ، هما الجهالة والضلالة . وينبغي أن يعلم أن في القرآن علوما تتنوع إلى ثلاثة : الأول : علم لم يطلع اللّه عليه أحدا من خلقه بل استأثر به وحده كمعرفة حقيقة ذاته وصفاته وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو . وهذا النوع لا يجوز الكلام فيه لأحد إجماعا . الثاني : ما أطلع اللّه عليه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم واختصّ به . وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له عليه الصلاة والسلام ولمن أذن له الرسول . قيل : ومنه أوائل السور .