الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

513

مناهل العرفان في علوم القرآن

الإسلام الغزالي في الإحياء ، عند بيانه لما بدّل الناس من ألفاظ العلوم إذ قال تغمّده اللّه برحمته : « اللفظ الثالث - أي من الأسماء المحمودة التي نقلت بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول - التوحيد . وقد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام ، ومعرفة طريق المجادلة ، والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم ، والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة ، وإثارة الشبهات ، وتأليف الإلزامات ، حتى لقّب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد ، وسمى المتكلمون بعلماء التوحيد . مع أن جميع ما هو خاصّة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شئ في العصر الأول . بل كان يشتدّ منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة . فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تستبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع ، فلقد كان ذلك معلوما للكل ، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله ، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين . وإن فهموه لم يتصفوا به ، وهو أن يرى الأمور كلها من اللّه عزّ وجلّ رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط ، فلا يرى الخير والشر كله إلا منه جلّ جلاله ، إلى أن قال : والتوحيد جوهر نفيس ، وله قشران ، أحدهما أبعد عن اللّب من الآخر ، فخصّص الناس الاسم بالقشر وبصنعة الحراسة للقشر ، وأهملوا اللّبّ بالكلية . فالقشر الأول هو أن تقول بلسانك : لا إله إلا اللّه . وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرّح به النصارى ، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سرّه جهره . والقشر الثاني ألّا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول ، بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده والتصديق به ، وهو توحيد عوام الخلق . والمتكلمون كما سبق حرّاس هذا القشر عن