الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
505
مناهل العرفان في علوم القرآن
بغسالة قميص تلميذه المخالف له في الرأي والاجتهاد ! ثم سل التاريخ عن معاونة صاحب أبي حنيفة للشافعي ، ودفعه إليه كتبه في كرم وحسن ضيافة وصدق محبة ! ولا تنس إباء مالك على الرشيد أن يحمل الناس في بلاد الإسلام كلها على موطّئه ومذهبه ، ويعتذر إليه بأن الإسلام أوسع من موطئه ومذهبه ، وأن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تفرّقوا في البلاد ولكلّ وجهة » . أرأيت هذا النّبل والطّهر : أجل أجل ! ! . ولكنك ستقضى الأسف حين ترى بجانبه فئات من المسلمين أيضا تراشقوا بالكفر ، وتراموا بالشرك ، وتقاذفوا بالتبدّع والهوى ، لمجرد تأويل يستسيغه النظر ، ويتّسع له صدر الاستدلال . ثم اتسع الخرق على الراقع في بعض الظروف حتى دارت معارك طاحنة بين صفوف كلّها مسلمة ، وأريقت دماء زكية كلها إسلامية ! ولا نزال نشهد من مثل هذا الصراع القائم على التنطع مشاهد ما كان أغنانا عنها ، وما كان أحرانا بالحذر منها ، خصوصا بعد ما سمعنا من الآيات ، وبعد أن أقر الرسول أمثال هذه الخلافيات ، وبعد أن قال في حديث واحد ثلاث مرات : « هلك المتنطّعون » . وهي كلمة صغيرة ولكنها كبيرة ، تحذّر وتنذر ، وتمثّل الهلاك جاثما في التنطّع بأشكاله وألوانه ، في الأنفس والأعراض والأموال ، وفي الجماعات والأفراد على سواء . لا أريد أن أطيل في هذا ، ولكني أريد أن أقرّوا كرّر ، أن الحكم على فرد أو جماعة بالبدعة والهوى ، لا يجوز أن يكون مبنيّا على غير بدعة أو هوى . ونرى أن من أمثلة هذا التعصب والسير مع الهوى ، أن يرمى بعض المغالين في الاعتزال إخوانهم من أهل السنة بأنهم حمير في جهالتهم ، وبأنهم على هوى في عقيدتهم ، ولم يكفهم أن يقولوا ذلك نثرا ، بل ردّدوه شعرا : وأنشدوا - سامحهم اللّه - : « لجماعة سمّوا هواهم سنّة * وجماعة حمر - لعمري - موكفه » الخ