الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
494
مناهل العرفان في علوم القرآن
ولعل الذين أطلقوا القول في رد المأثور إنما أرادوا المبالغة ؛ كما علمت في توجيه كلمة الإمام أحمد بن حنبل . وعذرهم أن الصحيح منه قليل نادر ونزر يسير ، حتى لقد قال الإمام الشافعي رضى اللّه عنه : « لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث » أي مع كثرة ما روى عنه . وقد أشار ابن خلدون إلى أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم . وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية . وإذا تشوّفوا إلى معرفة شئ مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ؛ ويستفيدون منهم . إلى أن قال : وهؤلاء مثل كعب الأحبار ؛ ووهب ابن منبّه ، وعبد اللّه بن سلام فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم وتلقّيت بالقبول ، لما كان لهم من المكانة السامية . ولكن الراسخين في العلم قد تحرّوا الصحة ، وزيفوا ما لم تتوافر أدلّة صحته ا ه بتصرف ملحوظة : إياك أن تفهم هنا من عبارة ابن خلدون أو ابن تيمية أو غيرهما ما يجعلك تخوض مع الخائضين في هؤلاء الأعلام الثلاثة : عبد اللّه بن سلام ، ووهب بن منبه ، وكعب الأحبار . فقد ضلّ بعض الأدباء والمؤرخين من كبار الكتاب في هذا العصر ، حين زعموا ذلك ، حتى لقد سلكوا عبد اللّه بن سلام الصحابي الجليل في سلك واحد مع عبد اللّه بن سبأ اليهودي الخبيث : الذي تظاهر بالإسلام ثم كاد له شر الكيد ، فتشيّع لعلىّ ، وزعم أن اللّه حلّ فيه ، وطعن على عثمان ، وأظهر الرفض عند حكم الحكمين بصفّين ، ودعا الناس إلى ضلاله الأثيم ، حتى نفى مرارا . والحقيقة أن ثلاثتنا هؤلاء عدول ثقات : أما ابن سلام فحسبك أنه صحابي من خيرة الصحابة ، ومن المبشرين بالجنة ، يروى الترمذي عن معاذ رضى اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّه