الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
477
مناهل العرفان في علوم القرآن
والناس نيام ، حتى ظهرت آثاره الباهرة عاجلة فيهم . فرفع نفوسهم وانتشلها من حضيض الوثنية ، وأعلى هممهم وهذّب أخلاقهم ، وأرشدهم إلى الانتفاع بقوى الكون ومنافعه . وكان من وراء ذلك أن سهروا في العلوم والفنون والصناعات كما مهروا في الأخلاق والآداب والإصلاح والإرشاد ووصلوا إلى غاية بزّوا فيها كل أمم الدنيا . حتى قال بعض فلاسفة الغرب في كتابه ( تطوّر الأمم ) ما نصه : « إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال : جيل التقليد ، وجيل الخضرمة ، وجيل الاستقلال . وشذّ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد » ا ه . قال السيوطي في بيان الحاجة إلى التفسير ما ملخصه : « القرآن إنما نزل بلسان عربى في زمن أفصح العرب ، فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه . أما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مثل قولهم : « وأيّنا لم يظلم نفسه » حينما نزل قوله تعالى : « الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ » . ففسّره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالشرك ، واستدلّ بقوله سبحانه : « إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » . وكذلك حين قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نوقش الحساب عذّب » سألته عائشة أم المؤمنين رضى اللّه عنها عن قوله تعالى : « فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً » فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « ذلك العرض » وكقصة عدىّ بن حاتم في الخيط الأبيض والخيط الأسود . ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه . بل نحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير ، لقصورنا عن مدارك اللغة وأسرارها بغير تعلم » ا ه . مما تقدم يتبين أن فائدة التفسير هي التذكر والاعتبار ، ومعرفة هداية اللّه في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ، ليفوز الأفراد والمجاميع بخير العاجلة والآجلة .