الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

475

مناهل العرفان في علوم القرآن

وبدون التفسير لا يمكن الوصول إلى هذه الكنوز والذخائر ، مهما بالغ الناس في ترديد ألفاظ القرآن ، وتوافروا على قراءته كل يوم ألف مرة بجميع وجوهه التي نزل عليها . وهنا تلمح السرّ في تأخر مسلمة هذا الزمن على رغم وفرة المصاحف في أيديهم ووجود ملايين الحفّاظ بين ظهرانيهم ، وعلى رغم كثرة عددهم ، واتساع بلادهم في حين أن سلفنا الصالح نجحوا بهذا القرآن نجاحا مدهشا كان وما زال موضع إعجاب التاريخ والمؤرخين . مع أن أسلافنا أولئك كانوا في قلة من العدد ، وضيق من الأرض ، وخشونة من العيش ، ومع أن نسخ القرآن ومصاحفه لم تكن ميسورة لهم . ومع أن حفّاظه لم يكونوا بهذه الكثرة الغامرة . أجل إن السرّ في ذلك هو أنهم توفروا على دراسة القرآن واستخراج كنوز هداياته ، يستعينون على هذه الثقافة العليا بمواهبهم الفطرية وملكاتهم السليمة العربية من ناحية ، وبما يشرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويبينه لهم بأقواله وأعماله وأخلاقه وسائر أحواله كما قال سبحانه : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . وعلى ذلك كان همهم الأول هو القرآن الكريم يحفظونه ويفهمونه قبل أن يحفظوه ، ثم يعملون بتعاليمه بدقّة ، ويهتدون بهدية في يقظة . بهذا وحده صفت أرواحهم ، وطهرت نفوسهم ، وعظمت آثارهم ؛ لأن الروح الإنسانى هو أقوى شئ في هذا الوجود فمتى صفى وتهذّب ، وحسن توجيهه وتأدّب ، أتى بالعجب العجاب ، « وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ » . وكذلك أتت الأمة العربية بالعجب العاجب ، في الهداية والإرشاد وإنقاذ العالم وإصلاح البشر ، وكتب اللّه لهم النصر والتأييد والدولة والظفر ، حتى على أقوى الدول