الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
438
مناهل العرفان في علوم القرآن
وأجمع الصحابة - رضوان اللّه عليهم - على كتابة الهمزة الثانية من قوله تعالى في آل عمران : « أؤنبّئكم » بواو . قال أبو عمرو الداني وغيره : إنما كتبوا ذلك على إرادة تسهيل الهمزة بين بين ا ه . وكيف يكون ما أجمع عليه القراء أمما عن أمم غير متواتر . وإذا كان المدّ وتخفيف الهمز والإدغام غير متواتر على الإطلاق ، فما الذي يكون متواترا ؟ أقصر « ألم ، ودابة ، وأولئك » الذي لم يقرأ به أحد من الناس ؟ أم تخفيف همزة « آلذّكرين ، آلله » الذي أجمع الناس على أنه لا يجوز وأنه لحن ؟ أم إظهار « مدّكر » الذي أجمع الصحابة والمسلمون على كتابته وتلاوته بالإدغام ؟ فليت شعري من الذي تقدمه قبل بهذا القول ، فقفى أثره ، والظاهر أنه لما سمع قول الناس : إن التواتر فيما ليس من قبيل الأداء ، ظن أن المد والإمالة وتخفيف الهمز ونحوه من قبيل الأداء ، فقال غير مفكر فيه . وإلا فالشيخ أبو عمرو لو فكر فيه ، لما أقدم عليه ، أو لو وقف على كلام إمام الأصوليين من غير مدافعة القاضي أبى بكر بن الطيب الباقلاني في كتاب الانتصار ، حيث قال : « جميع ما قرأ به قراء الأمصار مما اشتهر عنهم استفاض نقله . ولم يدخله في حكم الشذوذ ، بل رآه سائغا جائزا من همز وإدغام ومدّ وتشديد وحذف وإمالة ، أو ترك ذلك كله أو شئ منه ، أو تقديم أو تأخير ، فإنه كله منزل من عند اللّه تعالى ، ومما وقف الصحابة على صحته ، وخيّر بينه وبين غيره ، وصوّب للجميع القراءة به . قال : ولو سوّغنا لبعض القراء إمالة ما لم نمله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والصحابة أو غير ذلك ، لسوّغنا لهم مخالفة جميع قراءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم أطال - رحمه اللّه - الكلام على تقدير ذلك ، وجوّز أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقرأ واحدا بعض القرآن بحرف وبعضه بحرف آخر ، على ما قد يراه أيسر على القارئ » ا ه . قلت : وظهر من هذا أن اختلاف القراء في الشيء الواحد مع اختلاف المواضع قد أخذه الصحابي كذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأقرأه كذلك ، إلى أن اتصل بالقراء . نحو قراءة حفص « مجريها » بالإمالة فقط ، ولم يمل في القرآن غيره ، وقراءة ابن عامر