الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

22

مناهل العرفان في علوم القرآن

أما الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - فلأنه كان يتلقّى الوحي عن اللّه وحده . واللّه تعالى كتب على نفسه الرحمة ، ليجمعنّه له في صدره ، وليطلقنّ لسانه بقراءته وترتيله ، وليميطنّ له اللثام عن معانيه وأسراره . اقرأ إن شئت قوله سبحانه : « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ » . ثم بلّغ الرسول ما أنزل عليه لأصحابه ، وقرأه على الناس على مكث أي على مهل وتؤدة ، ليحسنوا أخذه ، ويحفظوا لفظه ، ويفهموا سرّه . ثم شرح الرسول لهم القرآن بقوله ، وبعمله ، وبتقريره ، وبخلقه ، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله ، وتقريراته ، وصفاته ، مصداقا لقوله سبحانه : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . ولكن الصحابة وقتئذ كانوا عربا خلّصا ، متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة من قوّة في الحافظة ، وذكاء في القريحة ، وتذوّق للبيان ؛ وتقدير للأساليب ، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير ، حتى أدركوا من علوم القرآن ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم ، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم ، وكثرة الفنون . وكان الصحابة رضوان اللّه عليهم مع هذه الخصائص أميين ، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لديهم ، والرسول نهاهم أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن وقال لهم أول العهد بنزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه : « لا تكتبوا عنّى . ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه . وحدّثوا عنّى فلا حرج . ومن كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار » . وذلك مخافة أن يلتبس القرآن بغيره ، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ؛ ما دام الوحي نازلا بالقرآن . فلتلك الأسباب المتضافرة لم تكتب علوم القرآن ، كما لم يكتب الحديث الشريف . ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين أبى بكر وعمر . ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام