الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
425
مناهل العرفان في علوم القرآن
وأمروا بالتجريد ؛ كيلا يختلط بالقرآن غيره ؛ ونقل إلينا متواترا ، فنعلم أن المكتوب في المصحف المتفق عليه هو القرآن ، وأن ما هو خارج عنه فليس منه ؛ إذ يستحيل في العرف والعادة مع توافر الدواعي على حفظه أن يهمل بعضه فلا ينقل ، أو يخلط به ما ليس منه . ثم قال : فإن قيل : لم شرطتم التواتر ؟ قلنا ليحصل العلم به ، لأن الحكم بما لا يعلم جهل وكون الشيء كلام اللّه تعالى أمر حقيقي ليس بوضعى حتى يتعلق بظننا ، فيقال : إذا ظننتم كذا فقد حرمنا عليكم فعلا ، أو حللناه لكم ، فيكون التحريم معلوما عند ظننا ، ويكون ظننا علامة لتعلق التحريم به . إلى أن قال : ويتشعب عن حد الكلام مسألتان : « ( إحداهما ) مسألة التتابع في صوم كفارة اليمين : فإنه ليس بواجب على قول ، وإن قرأ ابن مسعود « فصيام ثلاثة أيّام متتابعات » لأن هذه الزيادة لم تتواتر ، فليست من القرآن ، فتحمل على أنه ذكرها في معرض البيان ، لما اعتقده مذهبا ، فلعله اعتقد التتابع حملا لهذا المطلق على المقيد بالتتابع في الظهار . وقال أبو حنيفة : يجب التتابع ، لأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا ، فلا أقل من كونه خبرا ، والعمل يجب بخبر الواحد . وهذا ضعيف ، لأن خبر الواحد لا دليل على كذبه ، وهو « 1 » إن جعله من القرآن فهو خطأ قطعا ، لأنه وجب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم ، وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به . وإن لم يجعله من القرآن ، احتمل أن يكون ذلك مذهبا له لدليل قد دله عليه ، واحتمل أن يكون خبرا . وما تردد بين
--> ( 1 ) كذا بالأصل الذي نقلت عنه . ولعل الواو في لفظ « وهو » زادتها المطبعة خطأ . وجملة « لا دليل على كذبه » حالية من لفظ « الواحد » ، والمعنى هكذا : لأن خبر الواحد هنا حال كونه لا دليل على كذبه ، ولفظ هو ضمير فصل أو عائد على خبر الواحد ، إن جعله ( أي أبو حنيفة ) من القرآن الخ . ويمكن أن تكون كلمة « وهو » كلها مدرجة في الطبع أو النسخ فتدبر .