الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
402
مناهل العرفان في علوم القرآن
ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود أنه قال : جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء . وما روى عن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم إلى غير ذلك . ولكن الزمان تغيّر - كما علمت - فاضطر المسلمون إلى إعجام المصحف وشكله لنفس ذلك السبب أي للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف ، وخوفا من أن يؤدى تجرده من النقط والشكل إلى التغيير فيه . فمعقول حينئذ أن يزول القول بكراهة ذينك الإعجام والشكل ، ويحلّ محلّه القول بوجوب أو باستحباب الإعجام والشكل . لما هو مقرر من أن الحكم يدور مع علّته وجودا وعدما . قال النووي في كتابه التبيان ما نصه : قال العلماء : ويستحب نقط المصحف وشكله ، فإنه صيانة من اللحن فيه . وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط ، فإنما كرهاه في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه . وقد أمن ذلك اليوم فلا يمنع من ذلك لكونه محدثا ، فإنه من المحدثات الحسنة ، فلا يمنع منه كنظائره مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات وغير ذلك . واللّه أعلم ا ه . تجزئة القرآن : كانت المصاحف العثمانية مجردة من التجزئة التي نذكرها ، كما كانت مجردة من النقط والشكل . ولما امتدّ الزمان بالناس جعلوا يفتنّون في المصاحف وتجزئتها عدّة تجزئات ، مختلفة الاعتبارات . فمنهم من قسم القرآن ثلاثين قسما ، وأطلقوا على كل قسم منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره ، حتى إذا قال قائل : قرأت جزءا من القرآن ؛ تبادر إلى الذهن أنه قرأ جزءا من الثلاثين جزءا التي قسموا المصحف إليها . وجرى على ذلك أصحاب الربعات ، إذ طبعوا كل جزء في نسخة مستقلة ، ومجموع النسخ الجامعة للقرآن كله يسمونه ( ربعة ) . ويوجد من هذا القبيل أجزاء مستقلة بالطبع بأيدي صغار التلاميذ في المدارس وغيرهم .