الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
400
مناهل العرفان في علوم القرآن
إذ جمعا بين العلم والعمل ، والصلاح والورع ، والخبرة بأصول اللغة ووجوه قراءة القرآن . وقد اشتركا أيضا في التلمذة والأخذ عن أبي الأسود الدؤلي . ويرحم اللّه هذين الشيخين ، فقد نجحا في هذه المحاولة ، وأعجما المصحف الشريف لأول مرة ، ونقطا جميع حروفه المتشابهة ، والتزما ألا تزيد النقط في أىّ حرف على ثلاث . وشاع ذلك في الناس بعد ، فكان له أثره العظيم في إزالة الإشكال واللبس عن المصحف الشريف . وقيل : إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي ، وإن ابن سيرين كان له مصحف منقوط ، نقطه يحيى بن يعمر . ويمكن التوفيق بين هذه الأقوال بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف ولكن بصفة فردية ، ثم تبعه ابن سيرين ، وأن عبد الملك أول من نقط المصحف ، ولكن بصفة رسمية عامة ، ذاعت وشاعت بين الناس ، دفعا للبس والإشكال عنهم في قراءة القرآن . شكل المصاحف . شكل الكتاب في اللغة رديف لإعجامه . وقد عرفت أن الإعجام هو النقط . قال صاحب القاموس ما نصه : « . . . والكتاب ( أي وشكل الكتاب ) أعجمه ، كأشكله كأنه أزال عنه الإشكال ) » ا ه . ثم شاع استعمال الشكل في خصوص ما يعرض للحروف من حركة أو سكون . والمناسبة بين المعنيين ظاهرة ، لأن في كل منهما إزالة لإشكال الحرف ودفعا للبس عنه . واتفق المؤرخون على أن العرب في عهدهم الأول ، لم يكونوا يعرفون شكل الحروف والكلمات فضلا عن أن يشكلوها . ذلك لأن سلامة لغتهم ، وصفاء سليقتهم وذلاقة ألسنتهم